أحمد بن علي القلقشندي
211
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نسمح بمثله ، والهمام الَّذي ما عدقنا ( 1 ) به أمرا إلا وقع في أحسن مواقعه وأسند إلى أكمل أهله . وكانت البلاد الغزّاويّة والسّاحليّة والجبليّة على ساحل البحر بمنزلة السّور المشرّف بالرّماح ، المصفّح بالصّفاح ، مروجه الحماة ، وقللَّه الكماة ، لا يشيم برقه من ساكني البحر إلا أسير أو كسير ، أو من إذا رجع إليه طرفه ينقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير ، وبها الجيش الَّذي كم لسيوفه في رقاب العدا من مواقع ، ولسمعته في قلوب أهل الكفر من إغارة تركتها من الأمن بلاقع ، وبها الأرض المقدسة ، والمواطن الَّتي هي على التّقوى مؤسّسة ، والمعابد الَّتي لا تعدق أمورها إلا بمثله من أهل الدّين والورع ، والأعمال الَّتي هو أدرى بما يأتي من مصالحها وأدرب بما يدع - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعدق به نيابة ملكها ، ونزيّن بلآليء مفاخره عقود سلكها ، وأن نفوّض إليه زعامة أبطالها ، وتقدمة عساكرها التي تلقى البحر بأزخر من عبابه والأرض بأثبت من جبالها ، وأن نرمي بحرها من مهابته بأهول من أمواجه ، وأمرّ في لهوات ساكنيه من أجاحه ، لتغدو عقائل آهله ، أرقّاء سيفه الأبيض وذابله ، ويتبّر العدوّ الأزرق من بني الأصفر ، خوف بأسه الأحمر . فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه كيت وكيت : تفويضا يحقّق في مثله رجاءها ، ويزيّن بعدله أرجاءها ، ويصون ببأسه قاطنها وظاعنها ، ويعمّر ويغمر برفقه وإنصافه مساكنها وساكنها . فليباشر هذه الرّتبة الَّتي يكمّل به سعودها ، وتجمّل به عقودها ، مباشرة يخيف بأسها اللَّيوث في أجماتها ، ويعين عدلها الغيوث على دفع أزماتها ،
--> ( 1 ) هذه العبارة كثيرا ما تتردد في الرسائل والتقاليد الَّتي ضمنها القلقشندي كتابه . والمعنى المراد بها واضح وهو : ولَّيناه : أو أنطنا به أمر كذا . ولم نعثر في معاجم اللغة على « عدق به » بهذا المعنى . ولعلّ الأوضح « عذق به » بالذال المعجمة أو « عزق به » بالزاي المعجمة . ( انظر اللسان وأساس البلاغة : الموادّ : عدق - عزق ) .