أحمد بن علي القلقشندي

204

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلذلك رسم بالأمر الشريف : أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بصفد المحروسة : تفويضا يعلي قدره ، ويمضي في عموم مصالحها وخصوصها نهيه وأمره ، ويرهف في حفظ سواحلها وموانيها بيضه وسمره ، ويصلي مجاورها من ساكني الماء من بأسه المتوقّد جمره . فليتلقّ هذه النعمة بباع شكره المديد ، ويترقّ هذه المرتبة بمزيّة اعتزامه التي ليس عليها فيما يعدق به من مصالح الإسلام مزيد ، وينشر بها من عموم معدلته ما لا يخصّ دون قوم قوما ، ويعمّر بلادها بالعدل : فإنّ « عدل يوم واحد خير للأرض من أن تمطر أربعين يوما » ، ويبسط فيها من مهابته ما يكفّ أكفّ البغاة أن تمتدّ ، ويمنع رخاء ( 1 ) أهوية أهلها أن تشتدّ ، ويؤمّن المسالك أن تخاف ، والرعايا أن يجار عليهم أو يحاف ، وليكن من في تقدمته من الجيوش المنصورة مكمّلي العدد والعدد ، ظاهري اللأمة ( 2 ) التي هي مادّة المجالدة وعون الجلد ، مزاحي الأعذار فيما يرسم لهم به من الرّكوب ، مزالي العوائق في التّأهّب لما هم بصدده من الوثوب ، حافظي مراكزهم حفظ العيون بأهدابها ، آخذي أخبار ما يشغل البحر من قطع العدا في حال بعدها كحال اقترابها ، بحيث لا يشرف على البرّ من قطع المخذولين إلا أسير أو كسير ، أو من إذا رجع بصره إلى السّواحل ينقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير ؛ وليكن أهل الجبال بمهابته كأهل السّهل ( 3 ) في حسن انقيادهم وطاعتهم ، ويصدّ عنهم بسطوته مجال الأوهام المتّصلة فلا تنصرف إلى غير مجاوريهم من الأعداء مواقع بأسهم وشجاعتهم ؛ وملاك الوصايا تقوى اللَّه : وهي من أخصّ أوصافه ، والجمع بين العدل والإحسان وهما من نتائج إنصافه ؛ فليجعلهما عمدتي حكمه في القول

--> ( 1 ) الرّخاء : الريح اللَّينة . وفي التنزيل العزيز : فَسَخَّرْنا لَه الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه رُخاءً حَيْثُ أَصابَ . ( 2 ) اللأمة : أداة الحرب كلها . ( 3 ) في الأصل « كألسهل » وفيها سقط واضح .