أحمد بن علي القلقشندي
180
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشّريفة مضطلعة - أمر الأموال الديوانية : فإنّها معادن الأرزاق ، وموادّ مصالح الإسلام على الإطلاق ، وخزائن الدّولة الَّتي لو ملكتها الغمائم لأمسكت خشية الإنفاق ، وذخائر الثّغور الَّتي مواقعها من أعداء الدّين مواقع الشّجا في القلوب والقذى في الأحداق . ولما كان المجلس السامي هو الَّذي سمت به هممه ، ورسخت في خدم الدّولة القاهرة قدمه ، وتبارى في مصالح ما يعدق به من المهمّات الشّريفة سيفه وقلمه ، وكانت المملكة الطَّرابلسية من أشهر ممالكنا سمعة ، وأيمنها بقعة ، وأعمرها بلادا ، وأخصبها ربا ووهادا ، وأكثرها حصونا شواهق ، وقلاعا سوامي سوامق ، وثغورا لا تشيم ما افترّ من ثغورها البروق الخوافق ، ولها الخواصّ الكثيرة ، والجهات الغزيرة ، والأموال الوافرة ، والغلَّات المتكاثفة المتكاثرة - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرتاد لها من يسدّ خلل عطلها ، ويشدّ عضد ميدها وميلها ، وينهض من مصالحها بما يراد من مثله ، ويعيد لها بحسن المباشرة بهجة من فقدته ( 1 ) من الأكفاء من قبله . فلذلك رسم . . . أن يفوّض إليه شدّ الدواوين المعمورة بالمملكة الطَّرابلسيّة والحصون المحروسة ، على عادة من تقدّمه في ذلك . فليباشر ذلك بمعرفة تستخرج الأموال من معادنها ، وتستثير كوامن المصالح من مكامنها ، وتثمّر أموال كلّ معاملة بحسن الاطلاع عليها ، وصرف وجه الاعتناء إليها ، وتفقّد أحوال مباشريها ، ومباشرة ما يتجدّد من وجوه الأموال فيها ، وضبط ارتفاعها بعمل تقديره ، وحفظ متحصّل ضياعها من ضياعه وصون بذارها عن تبذيره ، وليجتهد في عمارة البلاد بالرّفق الَّذي ما كان في شيء إلا زانه ، والعدل الَّذي ما اتّصف به ملك إلا صانه ، والعفّة الَّتي ما كانت في امريء إلَّا وفقه اللَّه تعالى في مقاصده وأعانه ، وليقدّم تقوى اللَّه بين يديه ،
--> ( 1 ) في هامش الطبعة الأميرية : « لعله : ما فقدته من عمل الأكفاء » .