أحمد بن علي القلقشندي
157
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
حرس اللَّه به حومة الدّين وحمى جانبه ، وحفظ به أقوال الهدى عن المجادلة من المبتدعين وأطرافه من المجاذبة ؛ وكانت حراسته معدوقة باختيار الأئمة الأعلام ، وموقوفة على كلّ من يطاعن البدع عند الاستفتاء برماح الخطَّ وليست رماح الخطَّ غير الأقلام ، ومصرفة إلى كلّ منصف في قضاياه حتّى لو ترافعت إليه اللَّيالي لأنصفها من الأيّام . ولما كان فلان هو مدلول هذه العبارة ، ومرتمى هذه المشارة ، ومرتمق هذه الإشارة ، وقد حلّ من الممادح في محل صعب المرتقى على متوقّله ، وطلع من منازل سعودها في بروج بعيدة الأوج إلا على سير بدره وتنقّله ؛ وطالما حكم فأحكم ، وفصل ففصّل ، وروجع فما رجع وعدل فعدّل ، وشهدت مراتبه الشريفة بأنّه خير من تنوّلها ميراثا واستحقاقا ، وأجلّ من كادت تزهو به مطالع النجوم إشرافا وإشراقا ؛ وكانت حلب المحروسة مركز دائرة لأيّامه ، وسلك جوهر تصريفه الَّذي طالما تقلدت أحسن العقود بنظامه ؛ وقد افتخرت به افتخار السماء بشمسها ، والرّوضة بغرسها ، والأفهام بإدراك حسّها ، والأيّام بما عملته من خير في يومها وأسلفته في أمسها ، وقد اشتاقت إلى قربه شوق النّفس إلى تردّد النّفس ، واللَّيلة إلى طلوع النّجم أولا فإلى إضاءة القبس . فلذلك خرج الأمر الشّريف بأن يجدّد له هذا التوقيع بالحكم والقضاء ، بالمملكة الحلبيّة وأعمالها وبلادها ، على عادته . فليستخر اللَّه تعالى وليستصحب من الأحكام ما همّته مليّة باستصحابه ، ويستوعب من أمورها ما تتوضح المصالح باستيعابه ، ويقم بها منار العدل والإحسان ، وينهض بتدبير ما أقعده منها زمانة الزّمان . وعنده من الوصايا المباركة ، ما يستغني به عن المساهمة فيها والمشاركة ؛ لكن الذّكرى النافعة عند مثله نافقة ؛ فإن لم يكن شعاع هلال فبارقة ، وليتّق اللَّه ما استطاع ، ويحسن عن أموال اليتامى الدّفاع ، ويحرس موجود من غاب غيبة يجب حفظ ماله فيها شرعا ، ويقطع سبب من رام لأسباب الحقّ قطعا ، ولا يراع لحائف حرمة فإنّ حرمات