أحمد بن علي القلقشندي

150

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلذلك رسم بالأمر الشّريف - لا زالت شمس عدله ، مشرقة في الوجود ، وغيث فضله ، مستهلّ الجود في التّهائم والنّجود - أن تفوّض إليه . . . . . . تفويضا يحدّد ارتفاعها ، ويعمّر وهادها وبقاعها ، ويؤيّد اندفاع مضارّها وانتفاعها ، ويعيد الإشراق إلى مطالعها ، والأمور إلى مواقعها من سداد التدبير ومواضعها ، والإقدام إلى جيوشها وأبطالها [ والشجاعة إلى حماتها ورجالها ] ( 1 ) فليطلع في أفق مواكبها طلوع نعته الكريم ، ويجر في جوانبها ما ألفته من موارد عدله الَّذي فارقها غمامه وأثر سيله مقيم ، ويعاود مصالح تلك المملكة التي لا تصلح أمورها إلَّا عليه ، ويراجع عصمة تلك العقيلة الَّتي لا تطمع أبصار عواصمها إلَّا إليه ، ويلق في قلوب مجاوريها ذلك الرّعب الَّذي نعى إلى كلّ منهم نفسه وأسلاه عمّاه في يديه ، ويثبّت تلك المهابة الَّتي جعلت منايا العدا براحته يأمرها فيهم وينهاها ، وينشر في الرعايا تلك المعدلة التي هي كالشمس : لا تبتغي بما صنعت منزلة عندهم ولا جاها ، ولتكن أحوال عدوّ الإسلام بمرأى منه على عادته ومسمع ، ويكفّ أطماع الكفّار على قاعدته فلا يحدث لهم إلى شيم برق الثّغور مطمح ولا في العلم بشنبها مطمع ، وليكن من أرصاده ، نهار عدوّ الدّين وليله ، ومن أمداده ، مجاز الجهاد وحقيقته فلا يبرح يبيّتهم خياله إذا لم تصبّحهم خيله ، ولا يبرح له من أعيان عيونه بين العدا فرقة ناجية ، وطائفة بأسرار قلوب القوم مناجية ، لتكون له مقاتلهم على طول الأبد بادية ، وتغدو منازلهم خاوية بين سراياه الرائحة والغادية . وليتعاهد أحوال الجيوش بإدامة عرضها ، وإقامة واجبات القوّة وفرضها ، وإطالة صيت السّمعة المشهورة لكماتها في طول بلاد العدا وعرضها ، وإزاحة أعذارها للرّكوب ، وإزالة عوائق ارتيادها للوثوب ، وإعداد العدد الَّتي لها من أيديهم طلوع و [ في ] ( 2 ) مقاتل أعدائهم غروب ، وليتفقد أحوال الحصون المصونة بسداد ثغورها ، وسداد أمورها ، وإزاحة أعذار

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق .