أحمد بن علي القلقشندي
13
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إليهم ويجمع بين إرهاب المعتدين وشدّة الوطأة عليهم ، ويقف في أحكامه مع الشريعة الَّتي أعلى اللَّه تعالى منارها ، ويستضئ بأحكامها الَّتي هي لأبصار النّظَّار تعير أنوارها . وكانت المملكة الشامية المحروسة من الممالك الإسلامية بمنزلة القوّة في اليمين ، والواسطة في العقد الثّمين ، والإدراك في الصّدور ، والإشراق في البدور ، وبها الأرض المقدّسة ، والحصون التي هي على نكاية الأعداء مؤسّسة ، ولها الجيوش الَّتي ألفت في الجهاد السّرى ( 1 ) وأنفت لسيوفها في الجفون الكرى ، ومرّت على مقاتل العدا أسنّتها ، وصرّفت في مسالك الحرب أعنّتها ، وراعت ملوك أهل الكفر سمعة أمرائها ، وحاطتها أمداد النّصر في حروبها من بين يديها ومن ورائها ؛ وفيها من الأئمة العلماء الأعيان من يعدل دم الشهداء مداد أقلامهم ، ومن الأتقياء الصّلحاء من لا تطيش دون مقاتل أهل الكفر مواقع سهامهم - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نمتّع هذه الرتبة السنيّة بجمالها ، وأن نبلَّغ هذه الدرجة السريّة بمن حوى هذه الأوصاف الفاخرة غاية آمالها ، ليصبح بها لواء عدلنا ، مرفوع الذوائب ، ومنهل فضلنا ، مدفوع الشوائب ، وكلمة جهادنا ، نافذة في المشارق والمغارب ، وقبضة بأسنا ، آخذة من أعداء الدين بالذّرا والغوارب ( 2 ) ، وطليعة كتائبنا مؤتمّة بمن توقن الطَّير أنّ فريقه إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زالت صوارمه للشّرك قامعة ، ومراسمه لمصالح الدين والدنيا جامعة - أن تفوّض إليه تفويضا يرفع علمه ، ويمضي في مصالح الإسلام سيفه وقلمه ، وينشر في آفاق الممالك الشامية عدله ، ويبسط على رعايا تلك الأقاليم المحروسة فضله وظلَّه ، فيطلع في أفق المواكب هالة أهلَّتها ، وطراز حلَّتها ، وطلعة لوائها ، وواسطة عقود مقدّمها وآرائها ، وزينة
--> ( 1 ) السّرى : سير الليل . ( 2 ) الذرا : جمع ذروة ، وهي أعلا كل شيء . والغوارب : جمع غارب ، وهو الكاهل .