أحمد بن علي القلقشندي
12
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ملَّته حتّى رجعوا إلى الهدى وأنابوا ، صلاة لا تغيب أنواؤها ، ولا يفارق وجوه أهلها وقلوبهم رواؤها وإرواؤها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنه - لما أجرانا اللَّه عليه من عوائد نصره ، وأغرانا به من حصد الشّرك وحصره ، ومنحنا من بسطة ملك زيّنت بها أسارير البسيطة وأسرّتها ، ووهبنا من فواتح فتوح علت على وجوه الكفر مساءتها وبدت على وجه الإسلام مسرّتها - لم نزل نؤدّي شكر نعم اللَّه بالإحسان إلى عباده ، ونستزيد منها بتفويض أمورهم إلى من يقوم في الذّبّ عنهم مقام الجيش على انفراده ، فلا نقدّم على الرأفة بخلق اللَّه أمرا ، ولا نحابي في بسط المعدلة عليهم زيدا ولا عمرا ، ولا نعدل بهم عمّن إذا ركب في موكب نيابتنا زانه وجمّله ، وإذا جلس على بساط عدلنا زاده وكمّله ، وإذا رسم أمرنا أصغت السّيوف إلى مراسمه ، وإذا نظر بعين عنايتنا ثغرا أهدى الشّنب ( 1 ) إلى مباسمه ، وإذا رام في مصالح الإسلام أمرا قرب على رأيه بعيده ، وإذا جرّد جيشا إلى أعداء الإسلام جرّت قبل اللَّقاء ذيول هزائمها ، ورأت الفرار أمنع لها من صوارمها ، ونثلت ما في كنائنها من سهام ضعفت عن الطَّيران قوى قوادمها . ولما كان الجناب العالي الفلانيّ هو معنى هذه الفرائد ، وسرّ هذه الأوصاف الَّتي للشّرك منها مصائب هي عند الإسلام فوائد ، وفارس هذه الحلبة ، التي أحرز [ قصب ] ( 2 ) سبقها ، وكفء هذه الرّتبة ، التي أخذها دون الأكفاء بحقّها ؛ لا تأخذه في الحقّ لومة لائم ، ولا يأخذ أمر الجهاد إلا بجدّه « وما ليل المجدّ بنائم » يسري إلى قلوب الأعداء رعبه وهو في مكانه ، وتؤدّي مهابته في نكاية الكفر فرض الجهاد قبل إمكانه ، ويشفع ( 3 ) العدل في الرعايا بالإحسان
--> ( 1 ) الشّنب : جمال الثغر وصفاء الأسنان . والمحدثون استعاروا الشنب للشارب واستعملوه فيه حتى تناسوا الأصل . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) شفع الشيء : ضمّ مثله إليه .