أحمد بن علي القلقشندي

110

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بأمثال سيوفها القواضب ، ولا تمنع مخاوضها ( 1 ) إلَّا بدم خاضب ، والحصون لا يرضى بها كلّ منجنيق غضبان إلا بوصال مغاضب ، والقلاع لا تتطلَّع عيون ديادبها ( 2 ) إلا لمن ماء الكرى في جفونه ناضب ، والمعاقل لا تسمح بعقائلها إلَّا لمن هو على خطبتها مواظب ؛ وكانت الرّحبة - حرسها اللَّه تعالى - هي أوسع مكان رحابا ، وأدنى إلى مطر سحابا ، وأوثق ما أغلق على البلاد بابا ، وأقرب ما سمع حرّاسها في السماء دعاء مجابا ، قد ملئت سماؤها حرسا شديدا وشهبا ، ومدّت كواكب الدلو واستقت من الغمام قلبا ( 3 ) ، وعدّت ما وراء المجرّة فعمّيت دونها المسالك ، وحسبت لملك ونسبت إلى مالك ؛ ومالك - لا أعني إلَّا ابن طوق ( 4 ) - خازنها ، ومنزل أمن وفي غاب الأسد مساكنها ؛ وقد وقفت لبغداد في فم المضيق ، وهمّت بلاد العدا أن تخوض الفرات إليها فقالت : ما لك إليّ طريق ؛ قد افترّ في وجه العساكر المنصورة ثغرها الضّاحك ، وردّ قرن الشمس فرعها المتماسك . فلما أغمد حسامها المسلول ، وأقلع غمامها وكلّ هدب بالبكاء عليه مبلول - اقتضى رأينا الشريف أن نجدّد لعروسها زفافا ، ولبيوتها أفوافا ، ولسيوفها جلاء ، ولسقوفها إعلاء ، ونولَّيها لمن تكون همّته فيها جديدة الشّباب ، أكيدة الأسباب ، ليكون أدعى لمصالحها ، وأرعى لمناجحها ، وأوعى لما يجمعه سمعه من مصالحها ، وأسعى في حماية مماسيها ومصابحها ؛ وكان فلان هو أصلب من في كنائننا الشريفة عودا ، وأنجز وعودا ، وأصدق رعودا ، وأيمن إذا طلع نجمه

--> ( 1 ) في الأصل « مخالصها » . والتصحيح من الطبعة الأميرية . والمخاوض : جمع مخاضة : وهي من النهر الموضع القليل الماء الَّذي يعبر فيه الناس مشاة وركبانا . ( 2 ) الديادب : جمع ديدبان ؛ وهو الذي يقوم برصد العدو ورؤيته . وهو من الاصطلاحات العسكرية ، ولا يزال جاريا حتى اليوم . ( مصطلحات صبح الأعشى : 140 ) . ( 3 ) القلب : جمع قليب ؛ وهو البئر . ( 4 ) راجع الصفحة السابقة : الحاشية الأولى .