أحمد بن علي القلقشندي
107
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشّام المحروس في ملتقى مواكبه ، ومجرّ عواليه ومجرى سوابقه ومجمع كتائبه ؛ طالما كان بها الحرب سجالا ، وطالما سابقت بها الرّجال آجالا ؛ وكان لنا بها في الحرب يومان عوّضنا اللَّه أدناهما بما حفظت المعارك ، وضاقت الأرض بدماء القتلى ففاض إلى السّماء ما التقى بالشفق من [ تلك المسالك ] ( 1 ) ، واتّصلت بالبرّ والبحر من جانبيها ، واتّصفت بأنّها مهبّ الرّياح ، ومركز الرّماح ، لما يهبّ لنا من بشرى النصر ويخفق من عصائبنا المنصورة عليها . فلمّا تطاول الأمد على خلوّها ممّن ينوب عن السّلطنة الشّريفة في أحكامها ، ويؤوب إلى تسديد مرامي سهامها ، لم تزل آراؤنا العالية تجول فيمن يصلح أن يقّدم قدمه إلى رتبتها العليّة ، ويجرّد منها عزائمه المشرفيّة ، ويجمع بها على طاعتنا الشّريفة من فيها من العساكر المنصورة ، والقبائل المشهورة ، والطَّوائف المذكورة ، ويبسط بساط العدل في كافّة جنودها ورعاياها فإنّها بهؤلاء محروسة وبهؤلاء معمورة - فرأينا أنّ أولى من حكم في عاصيها والمطيع ، واتّخذ لسوريا السّور المنيع ، من هو الموثوق بما أمضت السيوف من هممه ، وأرضت التّجارب من سوابق خدمه ، وطارت سمعة شكره في الآفاق ، وطابت أثنيته فجاءت بما يعرف من الطَّرب لإسحاق ( 2 ) ؛ وكان قد تقدّمت له في عينتاب ( 3 ) ، نيابة كم أصابه فيها رجل بالعين ثم إنّه من العين تاب ، وقام بين أيدي كفلاء ممالكنا الشريفة حاجبا ، وفهم من أحكامهم الَّتي تلقّوها منّا ما أصبح لها صاحبا ، فما للنّيابة إحكام أحكام إلَّا وهو به عالم ، ولا تولية حكم إلا وقد استحقّها لقرب ما بين الحاجب والحاكم .
--> ( 1 ) بياض بالأصل . والزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الإشارة إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغنّي المشهور أيام الرشيد والمأمون والواثق . توفي سنة 235 ه . ( 3 ) مدينة في الجنوب من تركيا ، وهي إلى الشمال من مدينة حلب السورية . قال في معجم البلدان : كانت قلعة حصينة ، وكانت تعرف بدلوك . ( معجم البلدان : 4 / 176 ) .