أحمد بن علي القلقشندي

96

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وإن كان « قاضي عسكر » ( 1 ) وصّي بنحو ما يوصّى به [ القاضي ] ( 2 ) وأن يتخذ معه كاتبا يكتب للناس ، وأن يقبل من الجند من كان ظاهره العدالة ، فإنّ الشّهود المعدّين لتحمّل الشهادة يعزّ وجودهم في العسكر ، وأن يكون له منزل معروف يقصد فيه إذا نصبت الخيام ، وأحسن ما يكون ذلك عن يمين الأعلام السلطانية ، وأن يكون مستعدّا للأحكام التي يكثر فصلها في العسكر : كالغنائم ، والشّركة ، والقسمة ، والمبيعات ، والردّ بالعيب ، وأن يسرع في فصل القضاء بين الخصوم : لئلا يكون في ذلك تشاغل عن مواقع الحرب ومقدّماته ، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى . وإن كان « محتسبا » وصّي بالنظر في أمر المكاييل والموازين وسائر المقادير ، والتحذير من الغش في الطعام والشّراب ، وأن يتعرّف الأسعار ، ويستعلم الأخبار في كل سوق من غير علم أهله ، وأن يقيم على الأسواق وأرباب المعايش من ينوب عنه في النظر في أمورهم من الأمناء المأمونين ، وأن لا يمكَّن أحدا من العطَّارين من بيع غرائب العقاقير إلا ممّن لا يستراب به بخط متطبب لمريض ، وأن يمنع المتحيلين على أكل أموال الناس بالباطل : من الطَّرقيّة وأهل النّجامة ( 3 ) ، وسائر الطوائف المنسوبة إلى بني ساسان من تعاطي ما يتعاطونه من ذلك ، ويقمعهم ويحسم مادّتهم ، والتصدّي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمنع من الغش وإخبار المشتري بأزيد مما اشترى به ، والنظر في أمر فقهاء المكاتب ( 4 ) والعالمات ( 5 ) من النساء ، ولا يمكن منهم أحدا أن يتعاطى

--> ( 1 ) وجدت وظيفة قاضي العسكر منذ أيام الفاطميين ، ولكنها لم تكن مفصولة عن وظيفة قاضي القضاة . ولما كانت دولة المماليك دولة عسكرية فقد شغل هذه الوظيفة جنديّ ، وعمله يشمل شؤون العسكر ومن يختص بهم والذين تقبل شهادتهم . ( التعريف بمصطلحات الصبح : 265 ) . ( 2 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) أي المنجمين الذين يدعون معرفة الغيب بمقتضى النظر في أحوال النجوم . وفي الحديث : « كذب المنجمون ولو صدقوا » . ( 4 ) هم الذين يعلمون الأولاد الصغار ويقومون بتحفيظهم القرآن الكريم . ( 5 ) معروفات حتى الآن ؛ وهنّ اللواتي يدرن بيوت اللهو والمجون .