أحمد بن علي القلقشندي

97

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ذلك إلا من عرفت أمانته ، وأثرت صيانته ، وأن لا يستنيب إلا أهل العفّة والأمانة والنّزاهة ممن بعد عن الطمع ، ونأى عن مطاعم السّوء . وإن كان « وكيل بيت المال » ( 1 ) وصّي بالعمل بالشرع الشريف في جميع أحكامه ، وأنّ من مات وله ورثة تستوعب ميراثه لا يكلَّفهم ثبوتا فيه تعنّت ومدافعة عن حقهم ، والتّشديد في أمر من كانت قصّته منكرة ، والتحرّز من شهود الزّور في مثل ذلك ، وأن يرجع في كل ما يباع ويؤجّر إلى العوائد ، وأن يتحرّز في شهادة شهود القيمة ، ولا يرجع فيها إلا لمن يوثق به ممن يكون عنده معرفة بقيم الأشياء ، وينبّه على أنّ له أن يدّعي بحق المسلمين حيث شاء عند من يشاء من أصحاب المذاهب ، وأنّ الدعوى عليه لا تكون إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعيّ ، على ما جرت به العادة القديمة ، والاحتياط في حقّ بيت المال ، وليختر للاستنابة في الأعمال من يصلح لذلك . وإن كان « مدرّسا » وصّي بأن يقبل على جماعة درسه بطلاقة وجه ، وأن يستميلهم إليه جهد استطاعته ، ويربّيهم كما يربّي الولد ولده ، ويستحسن نتائج أفكارهم التي يأتون بها في درسه ، ويقدّم منهم من يجب تقديمه ، وينزل كلّ واحد منهم منزلته ، ليهزّهم ذلك إلى الإكباب على الاشتغال والازدياد في التحصيل ، ثم يأتي في كل مدرّس بما يناسبه من أمور العلم الذي يدرّس فيه إن كان يدرّس في علم خاصّ . وإن كان « خطيبا » وصّي برعاية حقّ رتبة الخطابة والقيام بحق ازدواجها ، وأن يأتي من المواعظ بما يقرع الأسماع بالوعد والوعيد ، ويلين القلوب القاسية ، وأن يعدّ لكل مقام مقالا يقوله ، وأن يخفّف الخطبة ، ويأتي بها بليغة مفهومة ، إلى غير ذلك من متعلَّقات الخطابة .

--> ( 1 ) كانت وكالة بيت المال وظيفة عظيمة الشأن رفيعة القدر ، وكان لمن يتولاها التحدث فيما يتعلق بمبيعات بيت المال ومشترياته من أراض ودور وغير ذلك ، وكان مجلسه بدار العدل ، وتارة يكون أرقى رتبة من المحتسب ، وأحيانا أقل منه . ( التعريف بمصطلحات الصبح : 361 ) .