أحمد بن علي القلقشندي

8

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

منها أجناس وأنواع ، وعدل بهر منه شعاع ، ووصايا يجب لها إهطاع ( 1 ) ، أصدرناه للفقيه أبي فلان ، لمّا تقرّر لدينا دينه وعدله وفضله رأينا أنّه أحقّ من نقلَّده المهمّ الأكيد ، ونرمي [ به ] من أغراض البرّ الغرض البعيد ، ونستكشف به أحوال الرّعايا حتّى لا يغيب عنا شيء من أحوالها ، ولا يتطرّق إليها طارق من إهمالها ، وينهي إلينا الحوادث التي تنشأ فيها إنهاء يتكفل بحياطة أبشارها وأموالها . وأمرناه أن يتوجه إلى جهة كذا - حاطها اللَّه - فيجمع الناس في مساجدهم ، ويندبهم من مشاهدهم ، ويبدأ بتقرير غرضنا في صلاح أحوالهم ، وإحساب ( 2 ) آمالهم ، ومكابدتنا المشقّة في مداراة عدوّهم الذي يعلم من أحوالهم ما غاب عنهم - دفعه اللَّه بقدرته ، ووقى نفوسهم وحريمهم من معرّته - وبما رأينا من انبتات الأسباب التي فيك تؤمّل ، وعجز الحيل التي كانت تعمل ، ويستدعي إنجادهم بالدعاء ، وإخلاصهم فيه إلى ربّ السماء ، ويسأل عن سيرة القوّاد ، وولاة الأحكام بالبلاد : فمن نالته مظلمة فليرفعها إليه ، ويقصّها عليه : ليبلَّغها إلينا ، ويوفدها مقرّرة الموجبات علينا ، ويختبر ما افترض صدقة للجبل ، وما فضل عن كريم ذلك العمل : ليعيّن لبناء الحصن بجبل قارة ( 3 ) يسّر اللَّه لهم في إتمامه ، وجعل صدقتهم تلك مسك ختامه ، وغيره مما افترض إعانة للمسافرين ، وإنجادا لجهاد الكافرين ، فيعلم مقداره ، ويتولَّى اختباره ، حتّى لا يجعل منه شيء على ضعيف ، ولا يعدل به لمشروف عن شريف ، ولا تقع فيه مضايقة ذي الجاه ، ولا مخادعة غير المراقب للَّه . ومتى تحقّق أن غنيّا قصّر به فيه

--> ( 1 ) في اللسان : الإهطاع هو الإسراع في العدو . وأهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع . وناقة هطعى : سريعة . ( 2 ) أحسب فلان فلانا : أعطاه أو أطعمه حتى قال حسبي . وفي القاموس : أحسبه أي أرضاه . ( 3 ) قال في معجم البلدان : « قارة اسم قرية كبيرة على قارعة الطريق وهي المنزل الأول من حمص للقاصد إلى دمشق ، وهي كانت آخر حدود حمص ، وهي على رأس قارة ( جبل ) . وقال الحفصي : القارة جبل بالبحرين . وذو القارة : إحدى القريات التي منها دومة وسكاكة ، وهي على جبل وبها حصن منيع » ولم يذكر الحميري في الروض المعطار شيئا عن هذا الاسم .