أحمد بن علي القلقشندي

69

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

شدّة التأديب ؛ وكذلك فكن أنت في الرفق الذي حدّثت عنه ، ومن عاد فينتقم اللَّه منه . ونحن نأمرك أن تحتسب أوّلا بلين القول لا بالأنف والنكير ، وأن تترفّق في الموعظة التي هي طريق إلى الخشية والتذكير ، وأن لا تكون باحتسابك مدلَّا بأنّك على الصراط المستقيم ، وأن الناس بين يديك على سنن التثقيف والتقويم ؛ فإن من أكبر الذنوب ذنب الإعجاب ، والأولى لك حينئذ أن تعود على نفسك بالاحتساب ( 1 ) ؛ ومن أدبك وأدب أمثالك أن يقف في أمره بالمعروف مع التقوى لا مع هواه ، وأن لا يفرّق في إزالة المعصية أن تكون بيده أو بيد أحد سواه ؛ وإذا كنت كذلك قرنك اللَّه بمن أنزل السكينة على لسانه ويده ، وقوّم له أود الناس لتقويم أوده ، واللَّه ينظر إلى قلب ابن آدم لا إلى عمله ولا إلى جسده . وعليك بالمجاهدين الذين سلب عنهم ثوب العافية ، ومن اختفى منك بالاستتار فلا تكشف عن حاله الخافية ؛ وأما ذوو الهيئات فإنّ عثراتهم تقال ، وأعراضهم لا تذال ، ولربّما كان التجاوز عنهم داعيا إلى الانتقال ؛ وفي قصة أبي محجن وسعد ( 2 ) ما ينبّئك أنّ الحياة أغنى في الازدجار ، وفي الناس أذناب لا قدر لها تذبّ عنه ورؤوس تذبّ عمّا لها من الأقدار . وهاهنا من ضروريّات الوصايا ما يؤتى في مثله بتوكيد الأقوال ، وأكثر ذلك يدور في المعاملات التي ألفها قوم دون قوم ، واستمروا عليها يوما دون يوم ؛ وقد أتى منها ما اتّفق على العمل به

--> ( 1 ) الاحتساب هنا بمعنى الإنكار . ( 2 ) هما أبو محجن الثقفي وسعد بن أبي وقاص . وكان أبو محجن كثير الشرب للنبيذ ، فحدّه عمر مرارا ، ثم نفاه إلى جزيرة بالبحر . فهرب ولحق بسعد وهو بالقادسية يحارب الفرس ، فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه سعد عنده . واشتد القتال في أحد أيام القادسية ، فالتمس أبو محجن من امرأة سعد ( سلمى ) أن تحلّ قيده ، وعاهدها أن يعود إلى القيد إن سلم ، فخلت سبيله ، فقاتل قتالا عجيبا ، ورجع بعد القتال إلى قيده وسجنه ؛ فحدّثت سلمى سعدا بخبره ، فاطلقه وقال له : لن أحدّك أبدا . فترك النبيذ وقال : كنت آنف أن أتركه من أجل الحدّ . ( انظر الاعلام : 5 / 76 والشعر والشعراء : 206 ) .