أحمد بن علي القلقشندي
57
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فليتقلَّد ما قلَّده إيّاه ، ويباشره منشرحا صدره متهلَّلا محيّاه ، وليعتمد على تقوى اللَّه التي هي خير عتاد ، وأفضل ما اعتمد عليه في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد ؛ وهي نجاة أهل اليقين ، وفوز المتقين ، قال اللَّه تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) * ( 1 ) وليبالغ في نشر راية العدل ومدّ جناحه ، وتعفية أذى الجور واجتياحه ، وليشمل الصغير والكبير من أهل هذه الولاية برداء النّصفة ، ويعاملهم بالجميل الموفي على الصّفة ، ويقم الحدود على مستوجبيها ، وينته إلى الغاية في تجنّب إضاعتها وتوقّيها ، وليدلّ على المفسدين عين من يتتّبع وقوعهم في قبضته ويتطلَّب ، ويقابل كلَّا منهم بما يرى متعقّبا بإيماض برق المعاقبة غير خلَّب ( 2 ) ، ولا يبق ممكنا في التنقيب على مرتكبي الآثام ، والمرتكنين على سفك الدم الحرام ؛ ومن ظفر به منهم فليحكَّم فيه شبا ( 3 ) ظفر الانتقام ونابه ، وليجر على عادته فيما يسيّر عنه أحسن السّمعة ، ويشهد له بالتنزّه عن خبيث الطَّعمة وقبيح الطَّمعة ، ويشدّ من القاضي متولَّي الحكم فيما يصدره ويورده ، ويحلَّه ويعقده ، ويمضيه من الأحكام الشرعية ، ويعتمده في القضايا بما لديه من الألمعيّة ، ويعاضد المستخدمين في الأموال معاضدة تثمّره ، وتنمّي الارتفاع وتوفّره ، وتعود على الديوان بالحظَّ الوافي ، وتعرب عن كونه بمثل هذه الولاية نعم الكفء الكافي ، ويعامل التّجار على تباين بلدانهم ، واختلاف ألسنتهم وألوانهم ، معاملة يجمل أثرها ويحسن ، ويتلقّهم ببشر وطلاقة تنطق بشكر استبشارهم بها الألسن ،
--> ( 1 ) التوبة / 119 . ( 2 ) الخلَّب : السحاب يومض برقه حتى يرجى مطره ، ثم يخلف ويتقشّع . ويقال : برق خلَّب . ويشبّه به من يعد ولا ينجز . ( 3 ) شبا وشباة الشيء : حدّ طرفه .