أحمد بن علي القلقشندي

58

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويحفظهم في أنفسهم وبضائعهم ، ويستنفد الوسع في دفع مضارّهم وروائعهم ، وبعتمد بعث رجاله على الاستعداد للجهاد ، والتأهب لقراع الأضداد ، وينته إلى الغاية فيما يزيل منهم اعتذارا ويزيح اعتلالا ، ويوجب لهم الاقتدار على مكافحة عدوّ إن طرق الثّغر والعياذ باللَّه تعالى . وهذه نسخة بولاية برقة ، وهي : من حقّ الأطراف المتناهية في بعد أقطارها ، والبلاد الشاسعة عن ثواء المملكة ومحلّ استقرارها ، التي انتظمت في سلك أعمال المملكة الناصريّة وانخرطت ، واستدركت معدّاتها لمن حوته فوائت الفوائد التي سلفت وفرطت - أن يديم أكيد الاهتمام لها التحصين والتحسين ، ولا يغبّ أهلها ما يغشاهم من الملاحظات مصبحين وممسين ، وتزجي لها سحائب كرم التعهّد عهاده غدقا ، ويعمل الأولياء في حياطتها من الغمود ألسنة ويذكون دونها من القنا حدقا ، ويفوّض أمورهم إلى من تخفّ على يده كلفتهم ، وتجتمع بحسن سيرته ألفتهم ، ويشتمل من عنايته عليهم اشتمال الصدفة على القلوب ، وتنيلهم مهابته من كفّ عدوى العدا كلّ مؤثر مطلوب . ولما كنت أيّها الأمير من أميز سالكي هذه الطرائق ، وأمثل فرسان الحروب وحماة الحقائق ، وأشجع المجاهدين في اللَّه حقّ جهاده ، وأجسرهم على إصلاء الشّرك ضرام فتك لا يخشى إصلاد ( 1 ) زناده ، ولك السياسة التي ترتّب بين الأسود والظَّباء اصطحابا ، والمخالصة التي لا تناجى إذا وصفت بالتغالي فيها ولا تحابى - خرج أمر الملك العادل بكتب هذا المنشور لك بما أنعم عليك بولايته وإقطاعه : وهو برقة بجميع أعمالها وحقوقها : من العقبة الصّغرى وإلى

--> ( 1 ) أصلد الزناد : صوّت ولم يور . وعن الجوهري : صلد الزند ( بكسر اللام ) يصلد : إذا صوّت ولم يخرج نارا . ( اللسان : 3 / 257 ) .