أحمد بن علي القلقشندي

56

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مضجع الأمن ومهاده ، وحكم بإحلالهم نجود الاتحاد على المصالح وإجلالهم عن وهاده ، وحمى سوام أموالهم من مشروب ورد أجاج ومرعى نبت وخيم ، وجباهم من رسوم الإحسان وعوائده ما لا ينطق لسان على زوائده بترخيم ، وملا آمال الأعداء عن التطرّق إليه إخفاقا ، وردّ نصول سهام مكايدهم عنه على ما عهد من فضل اللَّه سبحانه أفواقا - إذ كان من أجلّ الثغور الإسلامية أوزارا ، وأسبقها إلى غاية التفضيل ابتدارا ، وأكثرها بمن حواه من صدور الدّين وأئمة المسلمين افتخارا ، وأفضلها محلَّا ولم يزل مفزع السّفّار من كل جهة رسلا وتجارا - أوجب أن نسند ولايته ، ونردّ كلاءته ، إلى من يجري في التدبير على حكم سياسته المعلوم ، الحسنيّ الآخذ بيد المظلوم ، ويقوم بحسن التفويض والائتمان ، ويعطي بدل السّلامة من حقوق انتقامه عهدة الأمان ، ويسلك فيما يعدق به طريق السّداد ويلزم نهجه ، ولا يمكن أن يكون له على غير الصواب معاج ولا عرجة ؛ ويأخذ في كل أحواله بوثائق الحزم ، وتحلّ له أعماله الصالحة من مثوى المنازل الرفيعة ما هو على غيره من الحرام الجزم . ولما كان الأمير المعنيّ بهذا الوصف الواضح البيان ، المتكافئة في ذكر مناقبه شهادة السّماع والعيان ، الكاليء ما يناط به بقلب ألمعيّ وطرف يقظان ، الحالّ من الورع في أسمى مكان وأعلى مظان ، الجامع في إقامة شرع الإخلاص بين الفرائض والسّنن ، الموفية عزائمه على مضارب المهنّدة التي لا تقي منها مانعات الجنن ، الفائح من نبئه ما تؤثر صحاح الأنباء عن عليل نسيمه ، الجدير بما يزفّ إليه من عقائل جزيل الإنعام وجسيمه ؛ وقد أبان في ولايته بمطابقته بين شدّته ولينه ، وإقامة منار الإنصاف المعرب عن امتداد باعه في الحرب وانقباض يمينه ، وإروائه كافّة أهلها من نمير العون على استتباب الأمور ومعينه - خرج أمر الملك العادل بتقليده ولاية ثغر الإسكندرية حماه اللَّه تعالى والبحيرة ( 1 )

--> ( 1 ) وهي بحيرة الإسكندرية ، قال في معجم البلدان : وهذه ليست بحيرة ماء ، إنما هي كورة معروفة من نواحي الإسكندرية بمصر ، تشتمل على قرى كثيرة ودخل واسع . ( معجم البلدان : 1 / 351 والانتصار : 5 / 43 ) .