أحمد بن علي القلقشندي

48

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ثوب الإخلاص والصّفاء ، ومتّشحا بوشاح العفّة والولاء - اختصصناه بزيادة التقديم والاجتباء ، وحبوناه بوفور الكرامة والاصطفاء ، وأجريناه على مستمرّ رسمه بالرّعاية على ذرّيّة أهل العباء ( 1 ) ، حسب عادته المستقرّة إلى آخر عهد من كانت الإيالة إليه وإلى رحمة اللَّه مضى : ليسير فيهم بكتاب اللَّه العظيم وسنّة رسوله ، ويسلك جدد الحق الذي يوصّله من الزّلفى إلى أقصى مناه وسوله ، ويحضّهم على تلاوة القرآن ، ومعرفة ما يصلح للأديان . وليسوّ في الحكم بين الضعيف فيهم والقويّ ، ويعمّ بالإنصاف الفقير والغنيّ ، وليحسن إلى محسنهم ، وليجر على فضله لمسيئهم ، بعد أن يقدّم إليه زجرا ووعيدا ، ويوسعه إنذارا وتهديدا ، فإن وعى وارعوى وإلا سلَّط عليه أسباب الأذى ، وتولَّاه بما يستحقّه من الجزا ، ويعيده إلى حالة الاستقامة والاستواء ، ويكفّه عن دواعي الهوى . ومن وجب عليه حدّ أقامه فيه ، وبادر إلى اعتماده وتوخّيه ، حسب ما يوجبه حكم الشرع ويقتضيه . وليكن رؤوفا بهم ما استقاموا ، ومنتقما منهم ما اعوجّوا ومالوا ؛ وإن وجب على أحدهم حقّ لمليّ أو دنيّ ، استخلصه منه ولم يمنعه تعلَّقه بنسب شريف عليّ ، وإن افترى منهم مفتر على أحد من الملل ، قابله عليه بما يزجره عن قبيح العمل : فإنّ الناس في دار الإسلام ومن هو تحت الذّمام سواسية ، وأقربهم إلى اللَّه تعالى من كانت سيرته في الإسلام رضيّة ، وطويّته في الإيمان خالصة نقيّة ، ومن حكم عليه حاكم من الحكَّام ، بحقّ ثبت عنده بالبيّنة العادلة أو الإعلام ، انتزعه منه أو سجنه عليه ، إلى أن يرضي خصمه أو يردّ أمره إلى الحاكم ويفوّضه إليه . وليحرس أنسابهم بإثبات أصولها ، وتحقيق فروعها ، ومن رام دخولا فيه بدعوى يبطل فيها نقّب عن كشف حاله ، وإظهار محاله ، وجازاه بما يستحقّه أمثاله ، ويرتدع فيما بعد مثاله : ليخلص هذا النسب الكريم ، من دعوى

--> ( 1 ) المقصود أهل بيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .