أحمد بن علي القلقشندي

38

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وكلّ ما تضمّنه تقليد غيرك من الوصايا التي قرعت له عصاها ، ونبذت له حصاها ( 1 ) ، فأنت مستغن عن استماعها ، مكتف باطَّلاع فكرك عن اطَّلاعها ؛ غير أنّا نسألك كما سأل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم معاذا ( 2 ) ، ونسأل اللَّه أن يجعل لك من أمرك يسرا ومن عزمك نفاذا ، وقد أجابنا لسان حالك بأنك تأخذ بتقوى اللَّه التي ضمن لها العاقبة ، وجعل شيعتها الغالبة ، وأنك تجعلها بينك وبينه سببا ممدودا ، وبينك وبين الناس خلقا معهودا ، حتّى تصبح وقد أمنت من دهرك عثارا ، ومن أبنائه أسماعا وأبصارا - ومن شرائطها أن يكون الرجل المسلم الذي سلم الناس من يده ولسانه ، وفي هذين كفاية عن غيرهما من الشّيم ، التي تحفظ بها سياسات الأمم : فإنّ العدل هو الميزان الذي جعله اللَّه ثاني الكتاب ، والإحسان الذي هو الطينة التي شاركتها القلوب في جبلَّتها مشاركة الأحباب . وأمّا ما سوى ذلك من سياسة الملك في تقرير أصوله ، وتدبير محصوله : كالبلاد واستعمارها ، والأموال واستثمارها ، وولاة الأعمال واختبارها ، وتجنيد الجنود واختيارها ، فكلّ ذلك لا يصدر تدبيره إلا عن نظرك ، ولا يمشى فيه إلا على أثرك ؛ وأنت فيه الفقيه ابن الفقيه الذي سرى إليك علمه نفسا ودرسا ، وثمرة وغرسا ؛ فهذا كتاب عهدنا إليك : فخذه بقوّة الأمانة التي أبت السماوات والأرض حملها ، وما أطاقت ثقلها ، واللَّه يسلك بك سددا ، ويتحرّى بك رشدا ، ويلزمك التوفيق قلبا ولسانا ويدا ، إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) نبذت له حصاها : أي رمي إليه بها . والاستعارة من المنابذة ؛ وهي نوع من أساليب البيع والشراء . قال في اللسان ، عن اللحياني : « المنابذة أن ترمي إليه بالثوب ويرمي إليك بمثله ؛ والمنابذة أيضا أن يرمي إليك بحصاة » . قال : ويقال إنما هي أن تقول : إذا نبذت الحصاة إليك فقد وجب البيع . ( اللسان : 3 / 512 ) . ( 2 ) إشارة إلى كتاب العهد الذي بعث به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى معاذ بن جبل حين ولاه أمر أهل اليمن . انظر نص الكتاب في الوثائق السياسية للعهد النبوي - لمحمد حميد اللَّه ، ص : 212 .