أحمد بن علي القلقشندي
25
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
استخلاص الملك لمّا ابتزّه اللَّه من يد الغاصب وانتزعه ؛ وحسبك من ذمام لا يحتاج إلى شيء معه . أمر به الأمير فلان لفلان - وصل اللَّه سعادته ، وحرس مجادته - أطلع له وجه العناية أبهى من الصبح الوسيم ، وأقطعه جناب الإنعام الجميم ، وأنشقه أرج الحظوة عاطر النسيم ، ونقله من كرسيّ التدريس والتعليم ، إلى مرقى التّنويه والتكريم ، والرتبة الَّتي لا يلقّاها إلا ذو حظَّ عظيم ، وجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره العليّ وخطابه السنيّ ، في ميادين الأقاليم ، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى ، جاريا من الطريقة المثلى على النّهج القويم ، واختصه بمزيّة الشّفوف على كتّاب بابه الكريم . لمّا كان ناهض الوكر في طلبة حضرته من البداية ، ولم يزل تظهر عليه لأولي التمييز مخايل هذه العناية : فإن حضر حلق العلم جلَّى في حلبة الحفّاظ إلى الغاية ، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة ، والمخاطبات المنقولة ، فاشتهر في بلده وغير بلده ، وصارت أزمّة العناية طوع يده ، بما أوجب له المزيّة في يومه وغده . وحين ردّ اللَّه عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام ، وزيّن وجوه الليالي والأيّام ، وأدال الضّياء من الظلام ، وكان ممّن وسمه الوفاء وشهره ، وعجم الملك عود خلوصه وخبره ، فحمد أثره ، وشكر ظاهره ومضمره ، واستصحب عليّ ركابه الذي صحب اليمن سفره ، وأخلصت الحقيقة نفره ، وكفل اللَّه ورده وصدره ، ميمون النّقيبة ، حسن الضّريبة ، خالصا في الأحوال المريبة ، ناطقا عن مقامه بالمخاطبات العجيبة ، واصلا إلى المعاني البعيدة بالعبارات القريبة ، مبرّزا بالخدم الغريبة ، حتّى استقام العماد ، ونطق بصدق الطاعة الحيّ والجماد ، ودخلت في دين اللَّه أفواجا العباد والبلاد ، للَّه الحمد على نعمه الثّرّة العهاد ، وآلائه المتوالية التّرداد ، رعى له - أيّده اللَّه - هذه الوسائل وهو أحقّ من يرعاها ، وشكر له الخدم المشكور مسعاها ، فقصر عليه الرّتبة الشّمّاء التي خطبها بوفائه ، وألبسه أثواب اعتنائه ، وفسّح له مجال آلائه ، وقدّمه - أعلى اللَّه قدمه ، وشكر نعمه - كاتب السّرّ ، وأمير النهي والأمر ، تقديم الاختبار ، والاغتباط بخدمته