أحمد بن علي القلقشندي
100
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اليهود المستمرّة إلى الآن بأيديهم ، من حين عقد الذمّة ، من غير تجديد متخرّب ، ولا فعل ما لم تعقد عليه الذمّة ويقرّهم عليه السلف الأوّل . وإن كان « بطرك النصارى الملكانيّة » وصّي بما عليه بناء شرعته من المسامحة والاحتمال والصّبر على الأذى ، وعدم الاكتراث به ، وأخذ نفسه بهذه الآداب ، وأنه يقدّم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل فصلها على البتّ فإنه قاعدة دينه المسيحيّ ، ولم تخالف فيه الملة الإسلاميّة ، وأنه ينقّي صدور إخوانه من الغلّ ، ويتخلَّق بكل خلق جميل ، ولا يستكثر من الدنيا ، ويتنزّه عن أموال جماعته والتوسّل إلى أخذها ، وأنّ إليه أمر الكنائس والبيع ، وعليه أن يتفقّدها في كلّ وقت ، ويرفع ما فيها من الشّبهات ، ويحذّر رهبان الدّيارات من جعلها مصيدة للمال ، وأن يتجنّبوا فيها الخلوة بالنساء ، ولا يؤوي إليه أحدا من الغرباء القادمين عليه يكون فيه ريبة ، ولا يكتم ما اطلع عليه من ذلك عن المسامع الشريفة السلطانية ، ولا يخفي كتابا يرد عليه من أحد من الملوك ، أو يكتب له جوابا ، ويتجنّب البحر وما يرد منه من مظانّ الرّيب . وإن كان « بطرك اليعاقبة » قيل في وصيته نحو ما تقدّم في وصيّة بطرك الملكانيّين ، إلا أنه لا يقال : واعلم أنّك في المدخل إلى شريعتك طريق الباب ، بل يقال : واعلم أنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب ، ومساو له في الأمر والنهي والتحليل والتحريم . ويقال بدل قوله « وليتجنّب البحر » : « وليتوقّ ما يأتيه سرّا من تلقاء الحبشة » . قلت : وهذه الوصايا مدخل إلى ما يرضى به أصحاب الولايات ممّن تقدّم ذكره والأمر في الزيادة والنقص في ذلك بحسب المناسبة راجع إلى نظر الكاتب . على أن المقرّ الشهابيّ ابن فضل اللَّه رحمه اللَّه قد ذكر في « التعريف » عدّة وصايا ليست مما يكتب الآن ، فأضربنا عن ذكر مقاصدها هنا : لتورد برمّتها في الكلام على ما يكتب في متن التقاليد والتواقيع ونحوها ، مع النسخ التي تورد هناك على صورة ما أوردها ، لينسج على منوالها إن أمر بكتابة شيء منها .