أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

غير نوره مطلعه ، وآتاه ما لم يؤت أحدا ، وأمات به غيّا وأحيا رشدا ، وأقامه للدّين عاضدا فأصبح به معتضدا ، وحفظ به مقام جدّه وإن رغم المستكبرون ، وأنعم به على أمّته أمانا لولاه ما كانوا ينظرون ولا يبصرون ، و * ( ما كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * ( 1 ) . يحمده أمير المؤمنين على ما آتاه من توفيق يذلَّل له الصّعب الجامح ، ويدني منه البعيد النّازح ، ويخلف على الدّين من صلاحه الخلف الصالح ، ويلزم آراءه جدد السّعود الواضح ، ويريه آيات الإرشاد فإنّه نازح ( 2 ) قدح القادح ، ويسأله أن يصلَّي على جدّه محمد الذي أنجى أهل الإيمان ببعثه ، وطهّر بهديه من رجس الكفر وخبثه ، وأجار باتّباعه من عنت الشيطان وعبثه ، وأوضح جادّة التوحيد لكلّ مشرك الاعتقاد مثلَّثه ، وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي جادلت يده بلسان ذي الفقار ، وقسّم ولاؤه وعداوته بين الأتقياء والأشقياء الجنّة والنار ؛ وعلى الأئمة من ذرّيتهما الذي أذلّ اللَّه بعزّتهم أهل الإلحاد ، وأصفى بما سفكوه من دمائهم موارد الرشاد ، وجرت أيديهم وألسنتهم بأقوات القلوب وأرزاق العباد ، وسلَّم ومجّد ، ووالى وجدّد . وإن اللَّه سبحانه ما أخلى قطَّ دولة أمير المؤمنين التي هي مهبط الهدى ومحطَّ النّدى ، ومورد الحياة للولَّي والرّدى للعدا ، من لطف يتلافى الحادثة ويشعبها ويرأبها ، ونعمة تبلغ بها النفوس أربها ؛ وموهبة تشدّ موضع الكلم ، وتسدّ موضع الثّلم ، وتجلَّي غمائم الغمم ، وتحلَّي مغانم النّعم ، وتستوفي شرائط المناجح ، وتستدني فوارط المصالح ؛ ولم يكن ينسى الحادثة في السيد الأجلّ الملك المنصور ( 3 ) رضي اللَّه عنه وأرضاه ، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه ، التي كادت لها

--> ( 1 ) الأنفال / 32 . ( 2 ) كذا بالأصل . ولعلها « منزح » أي مبعد ، اسم فاعل من أنزح أي أبعد . ( 3 ) المقصود أسد الدين شيركوه ، عمّ صلاح الدين .