أحمد بن علي القلقشندي

95

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أواخي ( 1 ) الملك تتزعزع ، ومباني التدبير تتضعضع ؛ إلَّا ما نظر فيه أمير المؤمنين بنور اللَّه من اصطفائك أيّها السيد الأجل الملك الناصر : - أدام اللَّه قدرتك - لأن تقوم بخدمته بعده ، وتسدّ في تقدمة جيوشه مسدّه ، وتقفو في ولائه أثره ، ولا تفقد منه إلا أثره ؛ فوازت الفادحة فيه النعمة فيك ، حتّى تستوفي حظَّه من أمير المؤمنين بأجر لا يضيع اللَّه فيه عمله ، فاستوجب مقعد صدق بما اعتقده من تأدية الأمانة له وحمله ، واستحقّ أن ينضرّ اللَّه وجهه بما أخلقه اللَّه من جسمه في مواقف الجهاد وبدّله ؛ ومضى في ذمام رضا أمير المؤمنين : وهو الذّمام الذي لا يقطع اللَّه منه ما أمره أن يصله ، وأتبع من دعائه بتحف أوّل ما تلقاه بالرّوح ( 2 ) والرّيحان ، وذخرت له من شفاعته ما عليه معوّل أهل الإيمان في الأمان ؛ فرعى اللَّه له قطعه البيداء إلى أمير المؤمنين وتجشّمه الأسفار ، ووطأه المواطيء التي تغيظ الكفّار ، وطلوعه على أبواب أمير المؤمنين طلوع أنوار النهار ، وهجرته التي جمعت له أجرين : أجر المهاجرين وأجر الأنصار ، وشكر له ذلك المسعى الذي بلغ من الشّرك الثار ، وبلَّغ الإسلام الإيثار . وما لقي ربّه حتّى تعرّض للشّهادة بين مختلف الصّفاح ، ومشتجر الرّماح ، ومفترق الأجسام من الأرواح ؛ وكانت مشاهدته لأمير المؤمنين أجرا فوق الشّهادة ، ومنّة للَّه تعالى عليه له بها ما للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادة ؛ وحتى رآك أيّها السيد الأجلّ الملك الناصر - أدام اللَّه قدرتك - قد أقررت ناظره ، وأرغمت مناظره ، وشددت سلطانه ، وسددت مكانه ؛ ورمى بك فأصاب ، وسقى بك فصاب ( 3 ) ، وجمعت ما فيه من أبّهة المشيب إلى ما فيك من مضاء الشّباب ، ولقنت ما أفادته التّجارب جملة ، وأعانتك المحاسن التي هي فيك جلَّة ، وقلَّب عليك إسناد الفتكات فتقلَّبت ، وأوضح لك منهاج البركات فتقبّلت ، وسدّدك سهما ، وجرّدك شهما ، وانتضاك فارتضاك غربا ( 4 ) ، وآثرك على آثر ولده إمامة في

--> ( 1 ) الأواخي جمع آخية وهي عروة تثبت في أرض أو حائط وتربط فيها الدابة . ( 2 ) الرّوح : الراحة والرحمة ونسيم الريح ، وهو المراد . ( 3 ) صاب المطر صوبا وصيبوبة : إنصبّ . وصاب السحاب بالمطر : جاد . ( 4 ) سيف غرب : قاطع حادّ .