أحمد بن علي القلقشندي

90

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( إِنَّ الله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * ( 1 ) . والعساكر المنصورة فهم الذين غذوا بولاء أمير المؤمنين ونعمه ، وربوا في حجور فضله وكرمه ؛ واجتاحهم من لم يحسن لهم النّظر ، واستباحهم بأيدي من أضرّ لما أصرّ ؛ وطالما شهدوا المواقف ففرّجوها ، واصطلوا المخاوف وتولَّجوها ، وقارعوا الكفّار مسارعين للأعنّة ، مقدمين مع الأسنّة ، مجرين إلى غايتين : إما إلى النّصر وإمّا إلى الجنّة ؛ ودبّروا الولايات فسّدّدوا وتقلَّدوا الأعمال فيما تقلَّدوا ؛ واعتمد أحمرهم وأسودهم ، وأقربهم وأبعدهم ؛ وفارسهم وراجلهم ، ورامحهم ونابلهم ، بتوفير الإقطاع وإدرار النفقات ، وتصفية موارد العيش المونقات ؛ وأحسن لهم السياسة التي تجعل أيديهم على الطاعة متّفقة ، وعزائمهم في مناضلة أعداء الدّين مستبقة ، وأجرهم على العادات في تقليد الولايات ، واستكفهم لما هم أهله من مهمّات التصرّفات ؛ وميّز أكابرهم تمييز الناظر بالحقائق ، واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق ، وقم في اللَّه تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق : ليقذف اللَّه بالحق الذي نصرته على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ( 2 ) . والشرع الشريف فأنت كافل قضاته ، وهادي دعاته ؛ وهو منار اللَّه تعالى الأرفع ، ويده التي تمنع الظَّلم وتدفع ، فقم في حفظ نظامه ، وتنفيذ أحكامه ( 3 ) ؛

--> ( 1 ) الحشر / 18 . ( 2 ) إشارة إلى الآية 18 من سورة الأنبياء : « بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه » . ( 3 ) تتهم المراجع التاريخية الصالح طلائع بن رزيك ( من وزراء العاضد وقبله الفائز ) بحب المال وجمعه من أي سبيل ، وأنه أخذ يبيع الولايات للأمراء ، فتضرر الناس من كثرة تردد الولاة عليهم ؛ كما كان هؤلاء الولاة يتبعون نفس السياسة مع مرؤوسيهم وكانت النتيجة انتشار الرشوة والفساد والاختلاس وإرهاق الشعب بجمع الضرائب مما أضرّ بالفلاحين . واحتكر الصالح الغلات فارتفع سعرها ، وتطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال فشرع في الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم ثم سار شاور السعدي في الحكم سيرة سيئة ، كما أساء إخوته وأولاده إلى الناس فظلموا الأهالي وكثرت مصادراتهم . ( أنظر الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي : 152 ) .