أحمد بن علي القلقشندي

89

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عدقه ( 1 ) اللَّه بأمير المؤمنين من أمور أوليائه أجمعين ، وجنوده وعساكره المؤيّدين ، المقيمين منهم والقادمين ، وكافّة رعايا الحضرة بعيدها ودانيها ، وسائر أعمال الدول باديها وخافيها ؛ وما يفتحه اللَّه تعالى على يديك من البلاد ، وما تستعيده من حقوقه التي اغتصبها الأضداد ، وألقى إليك المقاليد بهذا التقليد ، وقرّب عليك كلّ غرض بعيد ، وناط بك العقد والحلّ ، والولاية والعزل ، والمنع والبذل ؛ والرّفع والخفض ، والبسط والقبض ، والإبرام والنّقض ، والتّنبيه والغضّ ، والإنعام والانتقام ، وما توجب السياسة إمضاءه من الأحكام ، تقليدا لا يزال به عقد فخرك نظيما ، وفضل اللَّه عليك وفيك عظيما * ( ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الله وكَفى بِالله عَلِيماً ) * ( 2 ) . فتقلَّد ما قلَّدك أمير المؤمنين من هذه الرّتبة التي تتأخّر دونها الأقدام ، والغاية التي لا غاية بعدها إلَّا ما يملَّيك اللَّه به من الدّوام ؛ فلقد تناولتها بيد في الطاعة غير قصيرة ، ومساع في خدمة أمير المؤمنين أيّامها على الكافرين غير يسيرة ، وبذلت لها ما مهّد سبلها ، ووصلتها بما وصل بك حبلها ، وجمعت من أدواتها ما جمع لك شملها ، وقال لك لسان الحق * ( وكانُوا أَحَقَّ بِها وأَهْلَها ) * ( 3 ) . وتقوى اللَّه سبحانه : فهي وإن كانت لك عادة ، وسبيل لاحب ( 4 ) إلى السعادة ، فإنها أولى الوصايا بأن تتيمّن باستفتاحها ، وأحقّ القضايا بأن تبتديء الأمور بصلاحها ؛ فاجعل تقوى اللَّه أمامك ، وعامل بها ربّك وإمامك ، واستنجح بها عواقبك ومباديك ، وقاتل بها أضدادك وأعاديك ، قال اللَّه سبحانه في كتابه المكنون : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا الله ) *

--> ( 1 ) ليس في معاني عدق ( بالدال المهملة ) ما يناسب المقام هنا ، ولعل المراد « عزق به » بالزاي المعجمة ، أي لصق به وأنيط به ، كما مرّ معنا في أكثر من مكان من الصبح . ( 2 ) النساء / 70 . ( 3 ) الفتح / 26 . ( 4 ) اللاحب : المستقيم .