أحمد بن علي القلقشندي
82
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أمير المؤمنين بإمام أقرّ اللَّه به عينهم ، وقضى على يده من نصرة الدين دينهم : * ( لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) * ( 1 ) . والحمد للَّه الذي خصّ جدّنا محمدا بشرف الاصطفاء والاجتباء ، وأنهضه من الرسالة بأثقل الأعباء وذخر له من شرف المقام المحمود أشرف الأنصباء ، وأقام به القسطاس ، وطهّر به من الأدناس ، وأيّده بالصابرين في البأساء والضّرّاء وحين الباس ( 2 ) ، وألبس شريعته من مكارم الأفعال والأقوال أحسن لباس ، وجعل النّور ساريا منه في عقبه لا ينقصه كثرة الاقتباس : * ( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ الله عَلَيْنا وعَلَى النَّاسِ ) * ( 3 ) . والحمد للَّه الذي اختار أمير المؤمنين لأن يقوم في أمّته مقامه ، وهدى بمراشد نوره إلى طرق دار المقامة ، وأوضح به منار الحقّ وأعلامه ، وجعله شهيد عصره ، وحجّة أمره ، وباب رزقه ، وسبيل حقّه ، وشفيع أوليائه ، والمستجار من الخطوب بلوائه ، والمضمونة لذويه العقبى ، والمسؤول له الأجر في القربى ، والمفترض الطاعة على كل مكلَّف ، والغاية التي لا يقصّر عنها بولائه إلا من تأخّر في مضمار النّجاة وتخلَّف ، والمشفوع الذكر بالصلاة والتسليم ، والهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ؛ لا يقبل عمل إلا بخفارة ( 4 ) ولائه ، ولا يضلّ من استضاء بأنجم هدايته اللَّامعة ، ولا دين إلَّا به ولا دنيا إلَّا معه : ليتّضح النهج القاصد ( 5 ) ، ولتقوم الحجة على الجاحد ، وليكون لشيعته إلى الجنة نعم الشافع والرائد ، وليأتي اللَّه به بنيان الأعداء من القواعد ، وليبيّن لهم الذي اختلفوا فيه
--> ( 1 ) الأنفال / 63 . ( 2 ) البأساء : المشقّة والفقر . والبأس - ويجوز حذف الهمزة والاقتصار على المدّ - الشدّة في الحرب والخوف ، وكلاهما مناسب . ( 3 ) يوسف / 38 . ( 4 ) الخفارة ، بكسر الخاء وفتحها وضمها ، الذمة والأمان والحراسة والعهد . والمعنى الأخير هو المراد . ( 5 ) النهج القاصد : الطريق السديد المستقيم . والقاصد من السّهام : المستوي نحو الرّمية .