أحمد بن علي القلقشندي
62
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إلى مستحقّيها ولو تمادت الأيّام على اغتصابها ، وإقرارها عند من هو دون الورى أولى بها : ليحقّق أنّ نسبه الشريف أظهر على أوامره دلائل الإعجاز ، وحلَّى كلماتها بالإيجاز وهباتها بالإنجاز ؛ وإنّ اللَّه جعل الاسم الشريف الحاكميّ في الحكم بأمره على خير مسمّى ، وقوّى منه في تأييد كلمة الحقّ جنانا وعزما ، ولم يخرج من أحكامه عن اتّباع أمر اللَّه قضيّة ولا حكما ؛ وكنت أيّها السيد ، العالم العادل ، السلطان ، الملك ، الناصر ؛ ناصر الدنيا والدين ، أبو الفتح محمد ابن السلطان الشهيد الملك المنصور ، سيف الدين قلاوون - قدّس اللَّه روحه - أولى الأولياء بالملك الشريف : لما لسلفك من الحقوق ، وما أسلفوه من فضل لا يحسن له التناسي ولا العقوق ؛ ولما أوجب لك على العساكر الإسلامية سابق الأيمان ، وصادق الإيمان : ولأنك جمعت في المجد بين طارف وتالد ، وفقت بزكيّ نفس وأخ ووالد ؛ وجلالة ، ما ورثتها عن كلالة ؛ وخلال ، مالها بالسّيادة إخلال ؛ ومفاخر ، تكاثر البحر الزاخر ؛ ومآثر ، أعجز وصفها الناظم والناثر ؛ وكان ركابك العالي قد سار إلى الكرك المحروس ، وقعدت عنك الأجسام وسافرت معك النّفوس ؛ ووثقت الخواطر بأنّك إلى السلطنة تعود ؛ وأنّ اللَّه تعالى يجدّد لك صعودا إلى مراتب السّعود ؛ وأقمت بها وذكرك في الآفاق سائر ، والآمال مبشّرة بأنك إلى كرسيّ مملكتك صائر . فلمّا احتاج الملك الشريف في هذه المدّة إلى ملك يسرّ سريره ، وسلطان تغدو باستقراره عيون الأنام والأيّام قريرة : لما للمسلمين في ذلك من تيسير أوطار وتعمير أوطان ، ولأنهم لا ينفذون في المصالح الإسلاميّة إلا بسلطان ؛ لم يدر في الأذهان ، ولا خطر لقاص ولا دان ؛ إلَّا أنك أحقّ الناس بالسلطنة الشريفة ، وأولاهم برتبتها المنيفة ، ولا ذكر أحد إلَّا حقوق بيتك وفضلها ، ولا قال عنكم إلَّا بقول اللَّه : * ( وكانُوا أَحَقَّ بِها وأَهْلَها ) * ( 1 ) : لأنّ البلاد فتوحات سيوفكم ، ورعاياها فيما هم فيه من الأمن والخير بمنزلة ضيوفكم ؛ ولأنّ العساكر الإسلاميّة استرقّهم ولاؤك ، ووالوك لأنهم أرقّاؤك ؛ فلم يقل أحد : أنّى له الملك علينا ؟ بل أقرّ كلّ منهم لك باليد وقرّ بولايتك عينا ؛ وأخلصوا في
--> ( 1 ) الفتح / 26 .