أحمد بن علي القلقشندي
63
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
موالاتك العقائد ، واستبشروا منك بمبارك الوجه ماجد جائد ؛ ولم يغب غائب خليفته جيش أبيه وجدّه الصاعد ؛ ورفعت الممالك يد الضّراعة سائلة وراغبة ، وخطبتك لعقائلها ومعاقلها والخطباء على المنابر لك خاطبة وبدعائك مخاطبة ؛ وقصدت لذلك أبوابك التي لا تزال تقصد ، ودعيت للعود المبارك وعود محمّد للأمّة المحمديّة أحمد ؛ وفعلت الجيوش المنصورة من طاعتك كلّ ما سرّ ، وأربت في صدق النيّات وبرّها على كل من برّ : ولو انّ مشتاقا تكلَّف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبر ! فما ضرّ بحمد اللَّه بعد الدار والآمال بساكنها مطيفة ، بل كان لك الذّكر ( 1 ) في قلب الخليفة نعم الخليفة ؛ وكنت لديه - وإن غبت - حاضرا بجميل الذّكر ، ونأيت دارا فقرّ بك إليه حسن التصوير في الفكر . وكان أمير المؤمنين قد شاهدك يافعا ، وشهد خاطره أن ستصير للمسلمين نافعا ؛ وتأمّل منك أمائر أضحى لها لترقّيك آملا ، وهلالا دلَّته كرامته - ولا تنكر الكرامة - على أن سيكون بدرا كاملا ؛ وبلغه عنك من العدل والإحسان ، ما أعجز وصفه بلاغتي القلم واللَّسان ؛ فناداك نداءه ( 2 ) على بعد المزار ، ولم يجد لك نظير أفأطال وأطاب لمقدمك السعيد الانتظار ؛ إلى أن أقدمت إقدام اللَّيث ، وقدمت إلى البلاد المتعطَّشة إلى نظرك الشريف قدوم الغيث ؛ فلاح بك على الوجود دليل الفلاح ، وحمد الرعايا سراك عند الصبّاح والاستصباح وشاهدوا منك أسدا فاق بوثباته وثباته الأول ، وشخصا لا يصلح إلَّا لإدالة دول ولا تصلح إلا لمثله الدّول ؛ وقامت باختبارك على اختيارك الدّلائل ، وعرفك سرير الملك وعرف فيك من أبيك شمائل ؛ ورأى أمير المؤمنين من نجابتك فوق ما أخبرت به مساءلة الرّكبان ، ومن مهابتك ما دلّ على خفض الشانيء ورفع الشان ؛ ومن محامدك كلّ ما صغّر الخبر عنها الخبر ، وأعلنت ألسنة الأقدار
--> ( 1 ) في مآثر : « الذكرى » . ( 2 ) في مآثر : « نداه » بفتح النون .