أحمد بن علي القلقشندي

60

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بمن كثرت منه ومن سلفه الكريم على الرّعايا الأواصر ( 1 ) ، وعقد لواء الملك لمن هو واحد في الجود ألف في الوغى ففي حاليه تعقد عليه الخناصر ؛ وجمع كلمة الأمّة بمتفرّد في المعالي متوحّد في المفاخر ، متّصف بمناقب أربى بها على أربابها من الملوك الأوائل والأواخر ؛ وأقرّ النواظر والخواطر بمن أشرق عليهما نوره الباهر ، وظهرت آثار وجوده وجوده على البواطن والظَّواهر ؛ وأعاد شبيبة الأيّام في اقتبال سرّ السرائر ، وسارت بشائر مقدمه في الآفاق سير المثل وما ظنّك بالمثل السائر ؛ وفعلت مهابته في التمهيد والتشييد فعل القنا المتشاجر ، وشفت الصّدور بوجود الاتّفاق وعدم الشقاق بعد أن بلغت القلوب الحناجر ؛ وأورث البلاد والعباد صفوة ذرّية ورثوا السيادة كابرا عن كابر ، وسرى سرّه إذا ولد المولود منهم تهلَّلت له الأرض واهتزّت إليه المنابر . والحمد للَّه الذي اجتبى سيدنا محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلم من أشرف بيت وقبيلة ، ومنح الأمّة برسالته من خيري الدنيا والآخرة الوسيلة ، وأوجب الشفاعة لمن سأل اللَّه له أعلى درجة لا ينالها إلا رجل واحد وهي الوسيلة ؛ وجعل شملهم بمبايعته ومتابعته في الهداية نظيما ، وحضّ على ذلك بقوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْه الله فَسَيُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً ) * ( 2 ) . وبلَّغهم به من السعادة غاية مطلوبهم ، وأيده بنصره وبالمؤمنين وألَّف بين قلوبهم ؛ وزان شريعته المطهّرة بمحاسن أبهى منظرا ومخبرا من العقود ، وفرض على المؤمنين أن يوفوا بالعهود وبالعقود ؛ وأقدرهم على حمل الأمانة التي أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها ، وأنزل في كتابه العزيز : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) * ( 3 ) .

--> ( 1 ) عبارة مآثر الإنافة : « على الرعايا والأواصر » . الأواصر في عبارة الصبح بمعنى المنن وهي مرفوعة على الفاعلية . أما في عبارة المآثر فهي مجرورة على العطف والمراد بها : « ذوي القربى » . ( 2 ) الفتح / 10 . ( 3 ) النساء / 58 .