أحمد بن علي القلقشندي

57

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

استرسال ( 1 ) النصر بالثبات والصبر فإنّ اللَّه يجزي الصابرين وما النّصر إلا من عنده ؛ وفي محاصرة العدوّ ومصابرته ، وإنظاره ومناظرته ، وإنزالهم على ما شرع اللَّه فيهم من الأحكام ، والتوخّي في ذلك ما حكم به سعد بن معاذ ( 2 ) في زمن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ؛ وفي ضرب الهدن وإمضائها ، والوفاء بالعقود المشروعة إلى انتهاء مددها وانقضائها ، وفي إرضاء السيوف ممن نكث ولم يتمّ عهده إلى مدّته فإنّ إسخاط الكفر في إرضائها ؛ وفي الأمصار يقرّ بها من شاء من الجنود ، ويبعث إليها من شاء من البعوث والحشود ؛ وفي سداد الثغور بالرجال الذين تفترّ بهم عن شنب النصر ، وتأمن بهم أعدادها من غوائل الحصر ، وتوفير سهامها من سهام القوّة التي ترمي ( 3 ) بشرر كالقصر ؛ وإمداد بحرها بالشّواني ( 4 ) المجرّبة المجدّدة ( 5 ) ، والسّفن التي كأنها القصور الممهّدة على الصّروح الممرّدة ؛ فلا تزال تدبّ إليهم من ذوات الأرجل عقاربها ، وتخطف غربانهم الطائرة بأجنحة القلوع مخالبها ؛ وفي تقدمة ( 6 ) وتنفيذ السّرايا التي لا تزال أسنّتها إلى نحور الأعداء مقوّمة ، وإنفاق ما يراه في مصالح الإسلام من القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة ؛ وفي إعلاء منار الشرع الشريف والانقياد إليه ، والمسارعة إلى نفوذ حكمه فيما له وعليه ، وتقوية يد حكَّامه على كلّ أمير ومأمور أقرّ الشرع في يده شيئا أو انتزعه من يديه ، وتفويض الحكم إلى كلّ من يتعيّن لذلك من أئمة الأمّة ، وإقامة الشرع الشريف على قواعده الأربعة ( 7 ) فإن اتفاق

--> ( 1 ) في مآثر : « استنزال » . ( 2 ) سعد بن معاذ الأنصاري الصحابي . شهد بدرا وأحدا والخندق وقريظة . نزل المسلمون على حكمه في أمر بني قريظة إذ حكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذرية فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه تعالى . توفي سعد شهيدا في عام الخندق . ( تهذيب الأسماء واللغات : 1 / 214 ) . ( 3 ) في مآثر : « ترمي العدا بشرر الخ » . ( 4 ) الشواني : السفن الحربية القديمة . مفردها شونة . ( 5 ) في مآثر : « المجردة » . ( 6 ) في مآثر : « وفي تقدمة الألوف » . ( 7 ) الصواب : « الأربع » .