أحمد بن علي القلقشندي

118

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أركانه ( 1 ) وهو مشيّد الأركان ، وتحصّن به من حوادث الزمان ( 2 ) ، وكانت أيّامه في الأيّام أبهى من الأعياد ، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد ، وأحلى من العقود إذا حلَّي بها عطل ( 3 ) الأجياد . وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نوّاب وحكَّام ، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام ، فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقّب عليه تنقيبا ، واجعل عليه في تصرّفاته رقيبا ، وسل عن أحواله ففي القيامة تكون عنه مسؤولا وبما أجرم مطلوبا ، ولا تولّ منهم إلَّا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا ، وأمرهم بالأناة في الأمور والرّفق ، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلَّة الحقّ ، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثّغر الباسم والوجه الطَّلق ، وأن لا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلَّا بما يستحقّ ، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا ، وأن يوسعوهم برّا وإحسانا ، وأن لا يستحلَّوا حرماتهم إذا استحلّ الزمان لهم حرمانا ، فالمسلم أخو المسلم ولو كان عليه أميرا وسلطانا ، والسعيد من نسج ولايته ( 4 ) في الخير على منواله ، واستسنّ بسنّته في تصرّفاته وأحواله ، وتحمّل عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله . ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيّء السّنن ، وجدّد من المظالم التي هي من أعظم المحن ، وأن يشترى بإبطالها المحامد رخيصة بأغلى ثمن ؛ ومهما جبي ( 5 ) منها من الأموال فإنما هي باقية في الذّمم ( 6 ) حاصلة ، وأجياد الخزائن إن

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « ورجع الأمر به بعد أن تداعى أركانه » . ( 2 ) لعلّ في العبارة سقطا . وعبارة مآثر الإنافة : « وتحصّن به من حوادث زمانه ، والسعيد من تحصّن من حوادث الزمان » . ( 3 ) العطل : العنق والقوام . والجمع أعطال . ( 4 ) في مآثر الإنافة : « ولاته » وهي أوضح . ( 5 ) في مآثر الإنافة : « جني » . ( 6 ) في مآثر الإنافة : « الذّمّ » .