أحمد بن علي القلقشندي

10

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مالك بن الأشتر النخعيّ ( 1 ) حين ولَّاه مصر ، وهو من العهود البليغة جمع فيه بين معالم التّقوى وسياسة الملك . وهذه نسخته فيما ذكره ابن حمدون ( 2 ) في تذكرته : هذا ( 3 ) ما أمر [ به عبد اللَّه ] ( 4 ) عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحرث الأشتر ؛ في عهده إليه ، حين ولَّاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوّها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها . أمره بتقوى اللَّه وإيثار طاعته ، واتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه ( 5 ) التي لا يسعد أحد إلا باتّباعها ، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها ؛ وأن ينصر اللَّه تعالى بيده وقلبه ولسانه ، فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزّه . وأمره أن يكسر من نفسه عند الشّهوات ، ويزعها عند الجمحات ؛ فإنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلَّا ما رحم اللَّه . ثم اعلم يا مالك أنّي قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك : من عدل وجور ، وأنّ الناس ينظرون ( 6 ) من أمورك [ في مثل ] ( 7 ) ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك ، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم . وإنما يستدلّ على الصالحين بما يجري اللَّه لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصالح . فاملك هواك ، وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ؛ فإنّ الشّحّ بالنفس الانتصاف منها فيما أحبّت وكرهت . وأشعر قلبك بالرحمة للرّعيّة ، والمحبّة لهم ،

--> ( 1 ) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي ، المعروف بالأشتر . أدرك الجاهلية . وأول ما عرف عنه أنه حضر خطبة عمر في الجابية ، وسكن الكوفة وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها . ولاه علي مصر فقصدها فمات في الطريق فقال علي : « رحم اللَّه مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول اللَّه » توفي سنة 37 ه . ( الأعلام : 5 / 259 ) . ( 2 ) هو أبو المعالي محمد بن الحسن البغدادي الكاتب المتوفى سنة 562 ه . ( كشف الظنون : 383 ) . ( 3 ) نص العهد المثبت هنا مجتزأ . انظر تتمته في نهج البلاغة . ( 4 ) الزيادة من نهج البلاغة . ( 5 ) كذا في نهج البلاغة ، وفي مآثر الإنافة « فريضته وسنته » . ( 6 ) في مآثر الإنافة : « يبصرون » . ( 7 ) الزيادة من نهج البلاغة .