أحمد بن علي القلقشندي
11
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واللَّطف بهم ؛ ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا ، تغتنم أكلهم ؛ فإنهم صنفان : إمّا أخ لك في الدّين ، وإمّا نظير لك في الخلق : يفرط منهم الزّلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ : فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك اللَّه من عفوه وصفحه : فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك ؛ واللَّه فوق من ولَّاك . وقد استكفاك أمرهم ، وابتلاك بهم ؛ ولا تنصبنّ نفسك لحرب اللَّه ، فإنه لا يدي ( 1 ) لك بنقمته ؛ ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ؛ ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجّحن بعقوبة ، ولا تسرعنّ إلى بادرة ( 2 ) وجدت عنها مندوحة ؛ ولا تقولنّ إنيّ امرؤ ( 3 ) آمر فأطاع : فإن ذلك إدغال في القلب ، ومهلكة في الدّين ، وتقرّب من الغير ( 4 ) . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة ، فانظر إلى عظم ملك اللَّه تعالى فوقك ، وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك ؛ فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ويكفّ عنك من غربك ( 5 ) ، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك . وإيّاك ومساماة اللَّه تعالى في عظمته ، والتشبّه به في جبروته ، فإن اللَّه يذلّ كلّ جبّار ، ويهين كلّ مختال . أنصف اللَّه وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّة أهلك وممّن لك فيه هوى من رعيّتك : فإنّك إلَّا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد اللَّه كان اللَّه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللَّه ، أدحض حجّته وكان للَّه حربا حتّى ينزع ويتوب . وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللَّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم [ فإنّ اللَّه سميع يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد ] ( 6 ) .
--> ( 1 ) في مآثر الإنافة « لا يد » . ( 2 ) في مآثر الإنافة « إلى زيادة » . ( 3 ) في نهج البلاغة : « مؤمّر » . ( 4 ) في مآثر الإنافة : « العثر » . ( 5 ) في مآثر الإنافة : « غرّتك » . ( 6 ) الزيادة من نهج البلاغة .