أحمد بن علي القلقشندي
90
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المسامع ، فيا أسفي لخطب ضعضع ركن الجدّ وكان وثيقا ، وصوّح ( 1 ) روض الفضل وكان وريقا ، ونغّص حسن الصبر ولم يزل صديقا ، وترك العبد خليقا بهذا القول ومثله معه حقيقا ، فآه لدين ومروءة فقدا في قرن ، وعلى صون وعفاف أدرجا في كفن ، وحصان رزان لا تعرف بوصمة ولا تزنّ ؛ لقد أصمّ بها الناعي وإن كان أسمع ، وأرّق ما شاء الفؤاد وأراق المدمع ، ولم يبق قلبا للصبر إلَّا صدعه ، ولا أنفا للسّلوّ إلَّا جدعه ، ولا بابا للتعزّي إلَّا أرتجه ، ولا عقيما للتأسّف إلا أنتجه ، ولو قبل في الموت فدا وصحّ أن يؤخذ فيه فداء لما خلص إليكم ولا ألمّ ، ولا عداكم في صروف المنايا المخيفة سلَّم ، لكن أبى اللَّه إلَّا أن تعمّ الحرقة ، وتستولي على الوقت الفرقة . الضرب الخامس ( التعزية بالأخ ) أبو محمد بن عبد البر : وكتبت والأنفس مرتمضة ، والعين غير مغتمضة ، والأنفاس تتصعّد ، والأحزان تتأكَّد ، أسفا للمصاب الذي عمّ وغمّ ، وأسمع نعيه فأصمّ ، وقال للفرح : كفّ من عنانك ، وللتّرح انتظر لأوانك ، بوفاة [ الفرد ] الذي في رأسه نور ، وسداد الآراء المختلفة وسداد الثّغور ، والفذّ الذي شهد الرجال بفضله ، وعقم النساء فما تجيء بمثله ، أبي فلان صنوكم ، السابق الذي لا يجارى ، والشارق الذي لا يسارى ، والغيث الذي عمّ المنيل والمستنيل ، والليث الذي ورد الفرات زئيره والنّيل ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ! تسليما للقدر وإن ساء ، وشمل المرؤوسين والرّؤساء ، فياله مصابا ترك كلّ رأس أميما ، وأودع صميم كلّ فؤاد ثكلا صميما ، لقد أنصل السّمر اللَّهاذم ، وأغمد البيض الصّوارم ، وعطَّل الكتائب والمقانب ، وأوحش المفاوز والسّباسب ، ولم يبق مشيد علا إلا
--> ( 1 ) أي أيبسه ؛ يقال : صوّحته الريح : أيبسته . لسان العرب ( صوح ) .