أحمد بن علي القلقشندي
407
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وتمدّ رواق العدل والأمنة عليهم ، وتحسم أسباب الكفر والنّفاق ، وتقمع أهل العناد والشّقاق ، ولذلك وصل اللَّه حبل الإمامة ، وجعلها كلمة باقية في عقب أوليائه إلى يوم القيامة . ولما نظر أمير المؤمنين بعين اليقين ، واقتبس من الحقيقة قبس [ الحق ] المبين ، عرف ما بنيت عليه الدنيا من سرعة الزّوال ، ووشك التحوّل والانتقال ، وأنّ ما فوّض اللَّه إليه من خلافته لا بدّ أن ينتقل عنه إلى أبنائه الميامين ، كما انتقل إليه عن آبائه الراشدين ، فلم يغترّ بمواعيدها المحال ، وأضرب عمّا تخدع به من الأمانيّ والآمال ، وأشفق على من كفّله اللَّه بسياسته ، وحمّله رعايته من أهل الإسلام المعتصمين بحبل دعوته ، المشتملين بظلّ بيعته ، عند تقضّي مدّته ونزوعه إلى آخرته ، في الوقت المعلوم ، بالأجل المحتوم ، من انتشار الكلمة ، وانبتات العصمة ، وانشقاق العصا ، وإراقة الدّما ، واستيلاء الفتن ، وتعطيل الفروض والسّنن ، فنظر لهم بما ينظم شملهم ، ويصل حبلهم ، ويزجر ظلمتهم ، ويجمع كلمتهم ، ويؤلَّف أفئدتهم ، ورأى أن يعهد إلى فلان ولده ؛ لأنه قريعه في علمه وفضله ، وعقيبه في إنصافه وعدله ، والملموح من بعده ، والمرجوّ ليومه وغده ، ولما جمع اللَّه له من شروط الإمامة ، وكمّله له من أدوات الخلافة ، وجبله عليه من الرّحمة والرّافة ، وخصّه به من الرّصانة والرّجاحة ، والشّجاعة والسّماحة ، وآتاه من فصل الخطاب ، وجوامع الصّواب ومحاسن الآداب ، ووقاية الدّين ، والغلظة على الظالمين ، واللَّطف بالمؤمنين ، بعد أن قدّم استخارة اللَّه تعالى فيه ، وسأله توفيقه لما يرضيه ، ووقف فكره على اختياره ، ولم يكن باختياره مع إيثاره ، ويلوح في شمائله ، ويستوضح في مخايله ، أنّه الوليّ المجتبى ، والخليفة المصطفى ، الذي يحمي اللَّه به ذمار الحقّ ، ويعلي بسلطانه شعار الصّدق ، وأنه - سبحانه - قد أفضى إليه بما أفضى به إلى الخلفاء من قبله ، وأفاض عليه من الكامنات ما أفاضه على أهله ، وبعد أن عاقده وعاهده على مثل ما عاهده عليه آباؤه ، من تقوى اللَّه تعالى وطاعته ، واستشعار خيفته ومراقبته والعمل بكتابه وسنّته ، وإقامة