أحمد بن علي القلقشندي
408
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
حدود اللَّه الَّتي حدّها ، بفروضه الَّتي وكَّدها والاقتداء بسلفه الراشدين ، في المكافحه عن الدّين ، والمسامحة عن أوزار المسلمين ، وبسط العدل على الرعيّة ، والحكم بينهم بالسّويّة ، وإنصاف المظلوم من الظَّلوم ، وكفّ يد المغتصب الغشوم ، وصرف ولاة الجور عن أهل الإسلام ، وتخيّر من ينظر بينهم في المظالم والأحكام ، وأن لا يولَّي عليهم إلَّا من يثق بعدالته ، ويسكن إلى دينه وأمانته ، ولا يفسح لشريف في التعدّي على مشروف ، ولا يقوى في التسلَّط على مضعوف ، وأن يحمل الناس في الحقوق على التّساوي ، ويجريهم في دولته على التناصف والتّكافي ، ويأمر حجّابه ونوّابه بإيصال الخاصّة والعامّة إليه ، وتمكينهم من عرض حوائجهم ومظالمهم عليه ليعلموا : الولاة والعمّال ، أنّ رعيته على ذكر منه وبال ، فيتحاموا التثقيل عليهم والإضرار بهم . وأشهد عليه بكلّ ما شرطه وحدّده ، والعمل بما يحمد إليه فيما تقلَّده . على أنه غنيّ عن وصيّة وتبصير ، وتنبيه وتذكير ، إلَّا أنّ محمدا سيد المرسلين يقول لعليّ صلَّى اللَّه عليهما « أرسل عاقلا إلَّا فأوصه » ( 1 ) . فبايعوا على بركة اللَّه تعالى طائعين غير مكرهين ، برغبة لا برهبة ، وبإخلاص لا بمداهنة ، بيعة رضا واختيار ، وانقياد وإيثار ، بصحّة من نيّاتكم ، وسلامة من صدوركم ، وصفاء من عقائدكم ، ووفاء واستقامة فيما تضعون عليه أيمانكم ، ليعرّفكم اللَّه [ من ] سبوغ النّعمة ، وشمول الحبرة ، وحسن العاقبة ، واتفاق الكلمة ، ما يقرّ نواظركم ، ويبرّد ضمائركم ، ويذهب غلّ صدوركم ويعزّ جانبكم ، ويذلّ مجانبكم ، فاعلموا هذا واعملوا به إن شاء اللَّه . وقد يغني هذا الكتاب الذي ذكرناه مغنى العهد ، فلا يحتاج إلى عهد . وعلى ذلك كتب عن الإمام المستكفي ( 2 ) باللَّه أبي الربيع سليمان بن
--> ( 1 ) كذا في الأصول مضبّبا عليه . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 330 من هذا الجزء .