أحمد بن علي القلقشندي
403
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ضلّ لهداه نورك في الليل البهيم ، ولو أنّ ذكرك شذّ لتبدّى في الآيات والذّكر الحكيم ، ولو أنّك طلعت على الأولين لما تساءلوا ولا اختلفوا في النّبإ العظيم ، ولو أنّ قديما علا فوق كلّ حديث لقام لك الحديث مقام القديم ، ولو أنّ جميع الأنام في صعيد واحد لصعدت دونهم المقام الكريم ، ولو أنّ يدك البيضاء تجسّمت للناظرين لأعدت آية موسى الكليم ، ولو أنّ هدايتك الغرّاء تنسّمت للذاكرين لأحييت بها العظام وهي رميم ، ولو أنّ علومك انتشرت بين العلماء لتلوا : * ( وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) * ( 1 ) ولو أنّ ليلة ولادتك رصدتها البصائر ، رأت كيف يفرق فيها كلّ أمر حكيم ، والصّفات إذا احتفل أربابها وقفت لك عبيدا ، والأيام إذا كانت ظروفا لفضائلك كان كلّ يوم منها للعبيد عيدا ، والأنساب إذا عددتها كان الجدّ سعيدا ، فلتفخر قبل السير بأن أمليت عليها السّور ، وأبشر بأن المنتظر من فضل اللَّه لك فوق ما تعجّله النظر ، واشمخ بأنّ سادة القبائل مضر وأنك بعد أمير المؤمنين سيّد مضر ، وابذخ بأنك عوض من كلّ من غاب وما عنك عوض في كل من حضر ، وابجح بأنك قد أهّلت لأمر أبى اللَّه له إلَّا أولي العزم والخطر ، واشكر اللَّه على نعمة خلقك لها بقدر ، ومزيّة لا يوفّي حقّها من أضمر فأغرق أو نطق فشكر ، وقل * ( الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله ) * ( 2 ) ، وقل ( 3 ) * ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه ) * * ( 4 ) . فإليك هذا الأمر يصير ، وأنت له واللَّه لك نعم المولى ونعم النّصير ، وتأهّب له في درجته الَّتي لا ينالها باع قصير ، ولا يمتطيها إلَّا من اختاره اللَّه على علم من أهل الثقلين ولو أنّ بعضهم لبعض ظهير ، ولا ترى لها أهلا إلَّا من أراه اللَّه من
--> ( 1 ) سورة يوسف 12 ، الآية 76 . ( 2 ) سورة الأعراف 7 ، الآية 43 . ( 3 ) في الطبعة الأميرية : ( وقل ربّ الخ ) أي وضع فعل « قل » ضمن الآية الكريمة . ( 4 ) سورة النمل 27 ، الآية 19 ، أو سورة الأحقاف 46 ، الآية 15 .