أحمد بن علي القلقشندي

402

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حوائط الأفهام ، ولا يدرك إلَّا بوسائط إلهام . وقد اصطفى اللَّه الأمير من تلك الأسرة ، ورقّاه شرف تلك المنابر وملك تلك الأسرّة ، وأنار بمقامه نجوم السعادة المستسرّة ، واستخدم العالم لأغراضه ، وسدّد كلّ سهم في رميه إلى أغراضه ، وأقرض اللَّه قرضا حسنا فهو واثق بحسن عواقب إقراضه ، وافترض طاعته في خلقه فالسعيد من تلقّى طاعة أمير المؤمنين بافتراضه ، وأمضى أوامره على الأيّام فما يقابلها صرف من صروفها باعتراضه ، وأدار الحقّ معه حيث دار ، وكشف له ما استجنّ تحت أستار الأقدار ، ووقف الخيرة والنّصرة على آرائه وراياته فهو المستشار والمستخار ، وألهمه أن يحفظ للأمة غدها كما حفظ لها يومها ، وأن يجري لها موارد توفيق الارتياد ولا يطيل حومها ، وأن يجعل المؤمن على ثلج من الصّدور ، وفلج من الظَّهور ، ويودع عندها برد اليقين بالإشارة إلى مستودع النّور ، ويجعلها على شريعة من الأمر فتتّبعها ، ويحلَّها بمنزلة الخصب فترتبعها ، ويعلم نديّ خيره ليكون غايتها ومفزعها ، ويعرّفها من تنتظره فتتّخذه مآلها ومرجعها ، ويقتدي في ذلك بسيد المرسلين في يوم الغدير ويشير إلى من يقوم به المشير مقام البشير . ولمّا كنت حافظ عهد أمير المؤمنين والسيّد الذي لا بدّ أن يتوّج به السّرير ، والنّجم الذي لا بدّ أن نستطيل إلى أنواره ونستطير ، والذّخيرة الَّتي ادّخرها اللَّه لنيل كل خطر ودفع كلّ خطير ، والسّحاب الذي فيه الثّجّ المطير ، والنّجم المنير ، والرّجم المبير ، وقد تجلَّت لك أوجه الكرامات وتبدّت ، وتبّرجت لك مخطوبات المقامات وتصدّت ، وطلبتك كفؤا لنيل عقيلتها وسكنى معقلها فما تعدّت ، وأدّت إليك لطائف فهمك من أسرار الحقائق ما أدّت ، وعرفت من سيماك هدي النبوّة ، واجتمع لك مزيّة الشرفين من الطَّرفين الأبوّة والبنوّة ، وأخذت كتاب الحكمة ومصون العصمة بقوّة ، وأجرت القلوب الَّتي بعوارض الشّكّ ممنوّة ، وآثرت العقائد الَّتي بنواقض العقد مملوّة ، وغدت وجوه الأنام بأيّامك مجلوّة ، وتوافقت الألسن على مدحك ولا مثل ما مدحت من الآيات المتلوّة ، وكنت بحيث تذهب بالأهوال المسلوّة ، وتقبل بالآمال المرجوّة ، ولو أنّ ركبا