أحمد بن علي القلقشندي
398
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ودقّ ، وتعبوا لراحة الكافّة تعبا صعب وعظم وشقّ ، وكان ذلك سرّا من أسرار الحكمة ، وضربا من أفضل تدبير الأمّة ، إذ لو ساوى بين الرئيس والمرؤوس ، والسائس والمسوس . لا ختلط الخصوص بالعموم ، ولم يبق فرق بين الإمام والمأموم . وقد استخلص اللَّه أمير المؤمنين من أشرف أسرة وأكرم عصابة ، وأيّده في جميع آرائه بالحزامة والجزالة والأصالة والإصابة ، وقضى لأغراضه أن يكون السعد لها خادما ، وحتم لمقاصده أن يصاحبها التوفيق ولا ينفكّ لها ملازما ، وجمع له ما تفرّق في الخليقة من المفاخر والمناقب ، وألهمه النظر في حسن الخواتم وحميد العواقب . ولما كان وليّ عهد أمير المؤمنين أكبر أبناء أمير المؤمنين ، والمنتهي لأشرف المراتب من تقادم السّنين ، وقد استولى على الفخر باكتسابه وانتسابه ، وتصدّت له مخطوبات الرّتب ليحوزها باستحقاقه واستيجابه ، وله من فضيلة ذاته ما يدلّ على النبأ العظيم ، وعليه من أنوار النبوّة ما يهتدي به الساري في الليل البهيم ، وحين حوى تالد الفخر وطارفه ولم يستغن بالقديم عن الحديث ولا بالحديث عن القديم ، والصّفات إذا اختلفت أربابها لا تقع إلا دونه ، والثواب الجزيل مما أعدّه اللَّه للذين يخلصون فيه ويتولَّونه ، وليفخر بأن خصّ من العناية الملكوتيّة بالحظَّ الأجزل ، وليتسمّح على البرايا ليكون ممدوحا بالكتاب المنزّل ، وليبذخ فإنّ وصفه لا تبلغ غايته وإن استخدمت فيه الفكر ، وليبجح فإن فضله لا يدرك حقيقة إلَّا إذا تليت السّور ، فأمتعه اللَّه بمواهبه لديه وأمتع أمير المؤمنين به ، وأجرى أموره عاجلا وآجلا بسببه . رأى أمير ( 1 ) المؤمنين أن يختصه بولاية عهد أمير المؤمنين تمييزا له بهذا
--> ( 1 ) لعل هذا جواب الشرط في أول الفقرة : « ولما كان وليّ عهد أمير المؤمنين » انظر حاشية الطبعة الأميرية .