أحمد بن علي القلقشندي
394
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأعيان أهل العصر وعامّته ، وجمهوره وكافّته ، فرأوه صوابا ، ولم يعرهم فيه ظنّة ولا مسترابا ( 1 ) ، ولا وجد أحد منهم إلى باب غيره طريقا ولا إلى طريق غيره بابا ، فاستخار اللَّه تعالى فيه فأقبل خاطره الشريف عليه ، وكرّر الاستخارة فلم يجد عنه مجيدا إلَّا إليه . فلمّا رأى أنّ ذلك أمر قد انعقد عليه الإجماع قولا وفعلا ، وعدم فيه المحالف بل لم يكن أصلا ، حمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ، وسأله التوفيق ورغب إليه ، وجدّد الاستخارة وعهد إليه بأمر الأمّة ، وقلَّده ما هو متقلَّده من الخلافة المقدّسة بعده على عادة من تقدّمه من الخلفاء الماضين ، وقاعدة من سلف من الأئمة المهديّين ، وفوّض إليه ما هو من أحكامها ولوازمها ، وأصولها ومعالهما ، من عهد ووصاية ، وعزل وولاية ، وتفويض وتقليد ، وانتزاع وتخليد ، وتفريق وجمع ، وإعطاء ومنع ، ووصل وقطع ، وصلة وإدرار ، وتقليل وإكثار ، جزئيّها وكلَّيّها ، وخفيّها وجليّها ، ودانيها وقاصيها ، وطائعها وعاصيها ، تفويضا شرعيّا ، تامّا مرضيّا ، جامعا لأحكام الولاية جمعا يعمّ كلّ نطاق ، ويسري حكمه في جميع الآفاق ، ويدخل تحته سائر الأقاليم والأمصار على الإطلاق ، لا يغيّر حكمه ، ولا يمحى رسمه ، ولا يطيش سهمه ، ولا يأفل نجمه . قبل المعهود إليه - أعلى اللَّه مقامه - ذلك بمحضر من القضاة والحكَّام ، والعلماء الأعلام ، ولزم حكمه وانبرم ، وكتب في سجلَّات الأفلاك وارتسم ، وحملت رسائله مع برد السّحاب فطافت به على سائر الأمم ، وهو - أبقاه اللَّه - مع ما طبعت عليه طباعه السليمة ، وجبلت عليه سجاياه الشريفة وأخلاقه الكريمة ، قد تلقّى عن أمير المؤمنين من شريف الآداب ما غذّي به في مهده ، وتلقّف منه من حسن الأدوات ما يرويه بالسّند عن أبيه وجدّه ، مما انطبع في صفاء ذهنه الصّقيل وانتقش في فهمه ، واختلط من حال طفوليّته بذمه ولحمه
--> ( 1 ) اضطرّه السجع إلى نصب المرفوع . حاشية الطبعة الأميرية .