أحمد بن علي القلقشندي
381
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اللَّه إليه ، واختار له ما عنده صلَّى اللَّه عليه . فلمّا انقضت النبوّة وختم اللَّه بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، الوحي والرسالة ، جعل قوام الدين ، ونظام أمر المسلمين ، بالخلافة وإتمامها وعزّها ، والقيام بحق اللَّه فيها بالطاعة الَّتي تقام بها فرائض اللَّه وحدوده ، وشرائع الإسلام وسننه ، ويجاهد بها عدوّه . فعلى خلفاء اللَّه طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده ، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حقّ اللَّه وعدله ، وأمن السّبل وحقن الدّماء ، وصلاح ذات البين ، وجمع الألفة ، وفي إخلال ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم ، واختلاف ملَّتهم ، وقهر دينهم ، واستعلاء عدوّهم ، وتفرّق الكلمة ، وخسران الدنيا والآخرة . فحقّ على من استخلفه اللَّه في أرضه ، وأتمنه على خلقه [ أن ] يؤثر ما فيه رضا اللَّه وطاعته ويعد [ ل ] فيما اللَّه واقفه عليه وسائله عنه ، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمّله اللَّه وقلَّده ، فإن اللَّه عزّ وجلّ يقول لنبيه داود عليه السّلام : * ( يا داوُدُ ، إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) * ( 1 ) . وقال عزّ وجلّ : * ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) * ( 2 ) . وبلغنا أنّ عمر بن الخطَّاب قال : « لو ضاعت سخلة ( 3 ) بجانب الفرات لتخوّفت أن يسألني اللَّه عنها » . وأيم اللَّه إنّ المسؤول عن خاصّة نفسه ، الموقوف على عمله ، فيما بين اللَّه وبينه ، لمتعرّض لأمر كبير ، وعلى خطر عظيم ، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمّة ، وباللَّه الثّقة ، وإليه المفزع والرّغبة في التوفيق مع العصمة ، والتّسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة ، والفوز من اللَّه بالرّضوان والرحمة . وأنظر الأئمة لنفسه ، وأنصحهم في دينه وعباده وخلافته في أرضه ، من عمل بطاعة اللَّه وكتابه وسنّة نبيه عليه السّلام في
--> ( 1 ) سورة ص 38 ، الآية 26 . ( 2 ) سورة الحجر 15 ، الآيتان 92 ، 93 . ( 3 ) السخلة : ولد الشاة من المعز والضأن ، ذكرا كان أو أنثى ، والجمع سخل وسخال وسخلة . لسان العرب ( سخل ) .