أحمد بن علي القلقشندي

382

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مدّة أيّامه ، واجتهد وأجهد رأيه ونظره فيمن يولَّيه عهده ، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده ، وينصبه علما لهم ، ومفزعا في جمع ألفتهم ، ولمّ شعثهم ، وحقن دمائهم ، والأمن بإذن اللَّه من فرقتهم ، وفساد ذات بينهم واختلافهم ، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم ، فإن اللَّه عزّ وجلّ جعل العهد بالخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله وعزّه وصلاح أهله ؛ وألهم خلفاءه من توسيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النّعمة ، وشملت منه العافية ، ونقض اللَّه بذلك مرّ ( 1 ) أهل الشّقاق والعداوة والسعي في الفرقة والرّفض ( 2 ) للفتنة ، ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقتها ، وثقل محملها وشدّة مؤونتها ، وما يجب ( 3 ) على من تقلَّدها من ارتباط طاعة اللَّه ومراقبته فيما حمّله منها ، فأنصب بدنه ، وأسهر عينه ، وأطال فكره فيما فيه عزّ الدين ، وقمع المشركين ، وصلاح الأمّة ، ونشر العدل ، وإقامة الكتاب والسّنّة ، ومنعه ذلك من الخفض والدّعة بهنيّ العيش ، علما بما اللَّه سائله عنه ، ومحبّة أن يلقى اللَّه مناصحه في دينه وعباده ، ومختارا لولاية عهده ، ورعاية الأمّة من بعده ، أفضل من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه ، وأرجاهم للقيام بأمر اللَّه وحقّه ، مناجيا للَّه بالاستخارة في ذلك ، ويسأله إلهامه ما فيه رضاه وطاعته في ليله ونهاره ، ومعملا في طلبه والتماسه من أهل بيته من ولد عبد اللَّه بن العباس وعليّ بن أبي طالب فكره ونظره ، ومقتصرا فيمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه ، وبالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته ، حتّى استقصى أمورهم بمعرفته ، وابتلى أخبارهم مشاهدة ، وكشف ما عندهم مساءلة ، فكانت خيرته بعد استخارته للَّه وإجهاده نفسه في قضاء حقّه وبلاده ، من البيتين جميعا

--> ( 1 ) المرّ ، بفتح الميم : الحبل . لسان العرب ( مرر ) وحاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) أي تركها تسير في الناس ، والرفض : تركك الشيء ، وأن يطرد الرجل غنمه وإبله إلى حيث يهوى ، فإذا بلغت لها عنها وتركها . انظر لسان العرب ، مادة ( رفض ) وحاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) لعله : « ناظرا فيها بما يقتضيه منصبها وما يجب الخ » ، وبه يستقيم الكلام . حاشية الطبعة الأميرية .