أحمد بن علي القلقشندي
36
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بعد الوحشة بلقائه ، وتنسّمت أرج منّه ونعمائه ، فوصل اللَّه قدومه من الكرامة ، بأضعاف ما قرن به مسيره من السّلامة ، محروسا من طوارق الغير ، مبلَّغا أبعد العمر . وله في مثله : من كانت مادّة سروره ، بمغيبه وحضوره ، لم يجد مع بعدك مؤنسا يسكن إليه ، ولا عوضا يعوّل في السّلوة عليه ، وما زلت أيام غيبتك - لا أوحش اللَّه منك - بالوحدة مستأنسا ، وبالشّوق إليك مجالسا ، ألاقيك بالفكر ، وأشاهدك باتّصال الذّكر ، إلى أن منّ اللَّه من أوبتك بما عظمت به النعمة ، وجلَّت لديّ معه الموهبة ، فوصل اللَّه بالسلامة نهضاتك ، وبالسعادة حركاتك ، وبالتوفيق آراءك وعزماتك ، وحرسني ببقائك وبقاء النعمة عندك ، وهنأني النعمة الجليلة بقربك . وله في مثله : من كنت نهاية أمنيّته ، وقطب مسرّته ، كان من نفسه مستوحشا مع بعدك ، وبدهره مستأنسا مع قربك ، وما زلت معك بالنّيّة مسافرا ، وبالشّوق سائرا ، وبالفكر ملاقيا ، وبالأمانيّ مناجيا ، إلى أن جمع اللَّه شمل سروري بأوبتك ، وسكَّن نافر قلقي بعودتك ، على الحال السارّة من كمال السّلامة ، ووفور الكلفة ، فأسعدك اللَّه بمقدمك سعادة تكون بها من الزمان محروسا ، وللإقبال مقابلا ، وبالأمانيّ ظافرا ، ولا أوحش اللَّه منك أوطان الفضل ، وعضّد إخوانك ببقائك وبقاء النعمة عندك . وله في مثله : لو كان القلب يجد عنك منصرفا ، أو يرى منك في اكتساب المسرّة خلفا ، لاستراح إليه من ألم بعدك ، واستنجده على مرارة فراقك ، لكنّك - أيّدك اللَّه - جملة مسرّته ، ونهاية أمنيّته ، فليس تتوجّه أمانيّه إلَّا إليك ، ولا تقف آماله إلَّا عليك ، فالحمد للَّه الذي أقرّ بفيئتك أعين إخوانك وأودّائك ، وافاك اللَّه من السّعادة في أوبتك أضعاف ما اكتنفك من الكفاية في ظعنك .