أحمد بن علي القلقشندي
352
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فمن جذع لفراقه يتألَّم ، وجماد بصدق ( 1 ) نبوّته يتكلَّم ، وجيش شكا الظَّمأ ( 2 ) ففجّر لديه المعين منه بنانا . وأيّ معجزة ككتاب اللَّه الذي لا تنقضي عجائبه ، فهو اليمّ والعلوم النافعة كلَّها مذانبه ، وأفق الحق الذي تهدي في ظلمات البرّ والبحر كواكبه ، والحجّة البالغة الَّتي أصبحت بين الحق والباطل فرقانا ، فأشرقت الأرض بنور ربّها وآياته ، وتمّت كلمة اللَّه صدقا وعدلا ، لا مبدّل لكلماته ، وبلغ ملك أمّته ما زوي له من أقطار المعمور وجهاته ، حتّى عمر من أكناف البسيطة ، وأرياف البحار المحيطة ، وهادا وكثبانا ، ونقلت كنوز كسرى بعزّ دعوته الغالبة ، وظفرت بفلج ( 3 ) الخصام أيدي عزائمها المطالبة ، وأصبح إيوان فارس مجرّ رماح العرب العاربة ، وقذفت قيصر من ذوابلها ( 4 ) بالشّهب الثاقبة ، حتّى فرّ عن مدرته الطيبة آئبا بالصّفقة الخائبة ، وخلصت إلى فسطاط مصر بكتائبها المتعاقبة ، فلا تسمع الآذان في إقامتهم ( 5 ) إلَّا إقامة وأذانا . ولا دليل أظهر من هذا القطر الأندلسيّ الغريب الذي خلَّصت ( 6 ) إليه سيوفها أثباج البحار ، على بعد المراحل ونزوح الدّيار ، وتكاثف العمالات واختلاف الأمصار ، ومنقطع العمارة بأقصى الشّمال ومحطَّ السّفّار ، طلعت عليه كلمة اللَّه طلوع النهار ، واستوطنته قبائل العرب الأحرار ، وأرغمت فيه ( 7 ) أنوف الكفّار ، ضرابا في سبيل اللَّه وطعانا . ولمّا استقام الدّين ، وتمّم معالم الإيمان الرسول الأمين ، وظهر الحقّ المبين ، وراق من وجه الملَّة الحنيفيّة السّمحة الجبين ، وأخذ المسالك والمآخذ
--> ( 1 ) في ريحانة الكتاب ص 119 : « بتصديق » . ( 2 ) في ريحانة الكتاب ص 119 : « شكا له الظمأ ففجّر لريّه المعين » . ( 3 ) في ريحانة الكتاب ص 119 : « بفلح الحسام عزايمها » . ( 4 ) في ريحانة الكتاب ص 119 : « دوايلها » . ( 5 ) في ريحانة الكتاب : « مقاماتهم » . ( 6 ) في ريحانة الكتاب : « خاضت إليه بسيوفها » . ( 7 ) في ريحانة الكتاب : « به » .