أحمد بن علي القلقشندي

313

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

العبادات والمعاملات على أفضل تقديرها ، وقبض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والعدل قائم ، والشرع على القوي والضعيف حاكم ، والربّ جلّ جلاله بما تخفي الصدور عالم ، وقام بعده الخلفاء الأربعة أركان الدّين ، وأعضاد الحقّ المبين ، يحملون الناس على سننه الواضح ، وينفّذون أمور المصالح ، ويتفقّهون في الأحكام وقوفا مع الظاهر وترجيحا للراجح ، وكانوا يتوقّفون في بعض الأحيان ، ويطلبون للشّبه وجه البيان ، ويستظهرون على تحقيق كثير من الوقائع بالأيمان ، حتّى كان عليّ كرم اللَّه وجهه يستثبت في الدّراية ، ويستحلف الراوي على الرّواية ، وما أنكر ذلك أحد ، ولا أعوزه من الشرع مستند ، رضي اللَّه عنهم أئمة بالعدل قضوا ، وعلى سبيله مضوا ، والسّيرة الجليلة تخيّروا وارتضوا ، وعن سيد الأنام ، ومستنزل درّ الغمام ، عمّ نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسّلام ، الحامي الحدب ، والمعقل الأشب ( 1 ) ، والغيث الهامل المنكسب ، أبي الفضل العبّاس بن عبد المطَّلب ، وعن الفائزين بالرّتبة الكريمة ، والصّحبة القديمة ، والمناقب العظيمة ، بدور الظَّلام وبحور الحكم ، وصدور أندية الفضل والكرم ، وسائر صحابه عليهم السّلام الذين أسلموا على عمره ( 2 ) ، وأسلفوا جدّا في نصره ، وأدركوا من بركة عيانه وزمانه ما لا مدرك لحصره ، كرّم اللَّه مآبهم ، وأجزل ثوابهم ، وشكر لهم صبرهم واحتسابهم ، فلقد عقدوا نيّة الصّدق عند قيامهم لأداء فريضة الإطاقة ، واستباحوا صلاة الشكر حين رفعوا حدث الرّدّة وأراقوا سؤر ( 3 ) الشّرك وقد استحقّ بنجاسته الإراقة ، وابتزّوا كسرى زينته فأبرزوها على سراقة ، فرأوا عيانا ما أخبر به سيد المرسلين ، وملكوا ما زوي له منها فاطَّلع عليه بحقّه المبين ، وذهبوا فأظلمت الأرض من بعدهم ، وتنكَّرت المعارف لفقدهم ، واختلط الهمل والمرعيّ ، وتشابه الصّريح والدّعيّ ، وثارت الفتن من كل

--> ( 1 ) أي الملتفّ ؛ يقال : أشب الشجر ، كفرح : التفّ ، كتأشّب ، القاموس المحيط ( أشب ) . ( 2 ) مراده : على عهد النبيّ وفي زمنه . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) السؤر ، بالضم : البقيّة . القاموس المحيط ( سأر ) .