أحمد بن علي القلقشندي
314
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جانب ، وصارت الحقوق نهبة [ كل ] ناهب ، ولمّا برحت ( 1 ) العهود ، وتعدّيت الحدود ، بلغ الوقت المحدود ، وطلعت ببياض العدل الرايات السّود ، تحتها سادات الناس ، وذادة موقف الباس ، وشهب اليوم العماس ( 2 ) ، ونجب البيت الكريم من بني العبّاس ، فأعادوا إلى الأمر رونقه ، ونفوا عن الصّفو رنقه ، وحموا حرم المسلمين ، وأحيوا سنّة ابن عمّهم سيّد المرسلين ، فأصبحت الأمور مضبوطة ، والثّغور محوطة ، والسّبل آمنة ، والرعيّة في ظلّ العدل والأمن ساكنة ، وكان الناس قبلهم قد ركبوا الصّعب والذّلول ، وامتطوا الحزن والسّهول ، فوثقوا منهم بطاعتهم ، واستحلفوهم على بيعاتهم ، ذلك بأنهم ألزموهم منها واجبا على القطع ، لازما بإلزام الشّرع ، ووجدوا لمصلحة الارتباط بالأيمان شواهد من الآثار المنقولة ، والأصول المقبولة ، ومن أعطى من نفسه كلّ ما عليها ، وراعى جملة المصالح وكلّ ما تطرّق إليها ، فكيف لا يكون في سعة من هذا التكليف المستند إلى الآثار الشرعية ، الداخل في أقسام المصالح المرعيّة ؟ كما سلف من الأئمة المهتدين ، آباء أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين ، ابن عمّ سيّدنا وسيّد المرسلين ، صلوات اللَّه عليهم أجمعين . لمّا دعا الناس بالمملكة الفلانيّة حماها اللَّه إلى حجّتهم القويّة ، وإمرتهم الهاشميّة ، مجاهد الدين ، بسيف أمير المؤمنين ، جمال الإسلام ، مجد الأنام ، تاج خواصّ الإمام ، فخر ملوكه ، شرف أمرائه ، المتوكَّل على اللَّه تعالى أمير المسلمين أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف بن هود ، أسعد اللَّه أيامه ، ونصر أعلامه ، وقام لذلك متوحّدا المقام الكريم ، مشمّرا عن ساعد التّصميم ،
--> ( 1 ) لعله : « ولما تركت العهود » حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) أي مراده : مظلمة ؛ والعماس ، بالفتح كسحاب : الحرب الشديدة ، وأمر لا يقام له ولا يهتدى لوجهه ، والعماس من الليالي : المظلم الشديد ، والجمع عمس . ويقال : عمس يومنا ككرم : اشتدّ واسودّ وأظلم . القاموس المحيط ( عمس ) .