أحمد بن علي القلقشندي

302

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المستجيبين له بكفالته وضمانه ، وجعلهم يوم الفزع الأكبر مكنوفين بحفظه مشمولين بأمانه ، وأوزعه الشّكر على ما استرعاه إيّاه من أمر هذه الأمّة ، ونقله إليه من تراث آبائه الهداة الأئمّة ، وكشفه بإمامته من أفجع نائبة وأفظع ملمّة . وصلَّى اللَّه على جدّنا محمد رسوله الذي أخبر الأنبياء المرسلون بصفته ونعته ، وتداولوا البشرى بما يستقبل من زمانه وبعثه ، وذكروه فيما أتوا به من كلّ كتاب أوحاه اللَّه وأنزله ، واعترفوا بأنه أفضل من كلّ من نبّأه اللَّه وأرسله ، فيسّر اللَّه سبحانه ما كان مرتقبا من ظهوره ، وأذن في إشراق الأرض بما انتشر في آفاقها من نوره ، وبعثه - جلَّت قدرته - إلى الأمّة بأسرها قاطبة ، وجعل ألسنة الأغماد مجادلة لمن خالف شرعه مخاطبة ، فكان لآية الكفر ماحيا ، وفي مصالح البريّة ساعيا ، وإلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة داعيا ، إلى أن لمعت آيات الحقّ وسطعت ، وانحسمت مادّة الباطل وانقطعت ، وظهر من آياته ما كبّر له المخبتون ، واشتهر من معجزاته ما خصم به المتعنّتون ، وخاطبه اللَّه فيما أنزل عليه بقوله : * ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) * ( 1 ) . فحينئذ نقله اللَّه إلى ما أعدّ له من جنّاته ، وخصّه بشرف الشّفاعة في يوم مجازاته ، وصدقه وعده فيما بوّأه من النعيم المقيم : * ( ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * * ( 2 ) . وعلى أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أولى الناس بالنّبيّ ، وأوّل من اتّبعه من ذوي قرابة وأجنبيّ ، وابن عمّه الذي اختصّه بمؤاخاته ، وجعله خليفة على كافة الناس بعد وفاته ، وتحمّل بأمر اللَّه ، فيما ولَّاه وأولاه ، وخطب الناس في حجّة الوداع فقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، وعلى آلهما الكرام الأبرار ، وعترتهما المصطفين الأخيار ، وهداة المسلمين وقدوتهم ، وأمراء المؤمنين وأئمّتهم ، الذين حكموا فأقسطوا وما قسطوا ، وسلك الحاضرون منهم

--> ( 1 ) سورة الزمر 39 ، الآية 30 . ( 2 ) سورة الجمعة 62 ، الآية 4 .