أحمد بن علي القلقشندي
303
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
سنن أسلافهم الذين فرطوا ، واقتفوا آثارهم في السّياسة فما قصّروا ولا فرّطوا ، ولم يزل كلّ منهم عاملا من ذلك بما حسّن أيامه ، فاعلا في أمر الدّين ما رفع مناره ونشر أعلامه ، حتّى اختار اللَّه له ما عنده فنصّ على من أقامه الاستحقاق مقامه ، وسلَّم عليهم أجمعين سلاما لا انقضاء لأمده ، ولا انقطاع لمدده ، فنيل المطالب بكرمه وملكوت كل شيء بيده . وإنّ الحقّ إن خفي حينا فلا بدّ لهلاله من الإبدار وانبساط النّور ، وإن الشمس إن تورات بالحجاب فما أوشك عودتها إلى البزوغ والظَّهور ، وأنّ حسن الصبر إلى يبلغ الكتاب أجله يؤمن من تدلية الشيطان بالغرور ، قال اللَّه عزّ وجلّ في كتابه الذي هدانا به : * ( وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( 1 ) * ( ) * . وإنّ اللَّه تعالى لرأفته بمن أبدعه من خلقه وأنشاه ، ولسابق علمه في عمارة هذه الدار على ما أراده عزّ وجلّ وشاه ، لا يخلي الأرض من نور يستضيء به الساري في الليل البهيم ، ولا يدع الأمّة بلا إمام يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ، فهو جلّ وعلا أعدل من أن يجعل جيد الإيمان من حلى الإمامة عاطلا ، أو يترك الخلق هملا وقد قال : * ( وما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ( 2 ) * ( ) * بل يقطع أعذار العباد فيما خلقهم له ووقفهم ، ويهديهم بالأئمة إلى التوفّر على عمل ما ألزمهم وكلَّفهم ، فالأمور محروسة الترتيب محفوظة النّظام ، والأرض إذا أظلمت لفقد إمام ، أضاءت وأشرقت لقيام إمام . وقد علم الكافّة أنّ حجة اللَّه في أرضه ، والمجتنب من الأعمال ما لم يرضه ، والمحسن إلى البريّة ببعثه على المصالح وحضّه ، الإمام الآمر بأحكام اللَّه أمير المؤمنين الذي آتاه اللَّه الحكم صبيّا ، ورفعه من إرث النبوّة مكانا عليّا ، واستخلفه على خلقه فكان
--> ( 1 ) سورة آل عمران 3 ، الآية 186 . ( 2 ) سورة ص 38 ، الآية 27 . وفي النسخة المصرية : ( السماوات والأرض ) .