أحمد بن علي القلقشندي

30

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فيرى ما صنعت يداه ، ويبادر لاستقالة ما جناه ، حتّى طرق البشير بما سهّله اللَّه تعالى من انحسار الكربة ، وعود مولانا إلى شرف الرّتبة ، وصلاح ما فسد ، وعود السلطان أعزّ اللَّه نصره إلى ما عهد ، وركوبه إلى حضرته ، وانقلابه عنه رافلا في تشريفه ومكرمته ، فكان معتقد المملوك فيه هلالا في السّرار فأهلّ ، وجنينا في الحشا فاستهلّ ، فاستولى على المملوك من السّرور ما عمّ جوارحه ، وعمر جوانحه ، وأطار بجناح المرح ، وألبس حلَّة الفرح ، إذ ما جدّده اللَّه تعالى له من السعادة يحلّ به في العموم ، محلّ الغيث السّجوم ( 1 ) ؛ لأنّه حرس اللَّه عزّه لا يستأثر بعوارف اللَّه عنده ، ولا يكزّ على عطاياه يده ، بل يمنح مما منح ، ويولي مما تولَّى ، ولا يضنّ بمال ولا جاه ، ولا يقعد عمن أمّله ورجاه ، واللَّه تعالى يجعل ذلك مما أقرّبه العيون ، وصدّق فيه الظَّنون ، لا تخلقه الأيام ولا تبليه ، ولا تزويه الحوادث ولا تؤثّر فيه ، إن شاء اللَّه تعالى . الصنف الثالث - التهنئة بالخلاص من الاعتقال . الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي : جدّد اللَّه سعده ، وضاعف جدّه ، وأنجح قصده ، وأعذب منهله وورده ، ولا انفكَّت الأيّام زاهية ببقائه ، والأنفس مسرورة بارتقائه إلى رتب عليائه . أصدرها تفصح عن شوق يعجز عن سوقه الجنان ، ويقصر عن طوله اللَّسان ، وسرور تزايد حتّى أبكاه ، ولا عج بمشاهدة طلعته السعيدة أغراه ، وتهنّيه بما جدّد اللَّه له بعد الاعتقال من الفرج والفرح ، ومنّ به بعد ضيق الخواطر من الابتهاج والمرح ، فهذه المسرّة ماء زلال برد بها الأوام ، وإنعام عامّ ، حمد اللَّه عليها الخاصّ والعامّ ، فالحمد للَّه الذي عوّضه عن مأتم الحزن بما تمّ من السرور ، و [ عن ] الهمّ المانع عن الورود والصّدور بانشراح الصّدور ، فإنّ القلوب شعفها حبّه وشغفها ، وضاعف لتعويقه أساها وأسفها ، بحيث اعترى المناطق قلق

--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 16 من هذا الجزء .