أحمد بن علي القلقشندي
297
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الاخترام ، ومورد البشر من المنيّة منهلا ما برحوا في رنقه ( 1 ) يكرعون ، ولمرّه المشرق يتجرّعون ، ومعزز ذلك بقوله : * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ونَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) * ( 2 ) . والحمد للَّه الذي نصب الأنبياء لمراشده أعلاما ، وحفظ ببعثهم من الحقّ والهدى نظاما ، وجعل نبوّة جدّنا محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، لنبوّاتهم ختاما ، وعضّد بوصيّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كمالا للدّين وإتماما ، واستخلص من ذرّيتهما أئمة هادين إتقانا لصنعته وإحكاما ، وأقام الحجّة على الأمم بأن أقام لكلّ زمان منهم إماما ، وعاقب بين أنوار الإمامة فإذا انقبض نور انبسط نور ، وتابع ظهور بدوره ليشرق طالع إثر غارب يغور ، رحمة شاملة للعالمين ، وحكمة تامّة حتّى يرث اللَّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، ولم يخل نبيّا مع ما شرّفه [ به ] من تناول وحيه وتلقّيه ، ولا عصم إماما مع اختصاصه بفروع منصب الإمامة وترقّيه ، من لقاء المنيّة ، ووداع الأمنيّة ، بل أجّل لكلّ منهم أجلا مكتوبا ، وفسّح له أمدا محصورا محسوبا ، لا يصرفه عن وصوله فضيلة ، ولا يصل إلى تجاوزه بقوّة ولا حيلة ، قدرة محكمة الأسباب ، وعبرة واضحة لأولي الألباب ، وقضيّة أوضحها فرقانه الذي أقرّ بإعجازه الجاحدون ، إذ يقول مخاطبا لنبيه : * ( وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ) * ( 3 ) . والحمد للَّه الذي منح أمير المؤمنين من خصائص الإمامة وأنوارها ، وحاز له من ذخائرها وأودعه من أسرارها ، ما خوّله فاخر تراثها ، وأصار له شرف ميراثها ، وجعله القائم بحقّه ، والمرشد لخلقه ، والماحي بهداه ليلا من الضّلال بهيما ، والحاوي بخلافته مجدا لا يزال ثناؤه عظيما : * ( ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الله ) *
--> ( 1 ) أي الماء ؛ يقال : رنق الماء ، كفرح ، رنقا ورنقا : كدر . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( رنق ) . ( 2 ) سورة الأنبياء 21 ، الآية 35 . ( 3 ) سورة الأنبياء 21 ، الآية 34 .