أحمد بن علي القلقشندي

29

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الانحراف إصلاح باديه تهذيب وتقويم ، وخافيه توقير وتعظيم ، لما في عتاب أمير المؤمنين من شرف الرّتبة ، والدّلالة على استقرار الأثرة والقربة ، وحلوله محلّ الصّقال ، من أبيض النّصال ، والثّقاف من العسّال ، ولا سيّما ورياسته محفوظة ، وسيادته ملحوظة ، وهيبته في النّفوس مائلة ، وجلالته في القلوب حاصلة ، ولم ( 1 ) ير المملوك أجلّ موهبة من اللَّه سبحانه من شكر يسترهن هذه النعمة ويخلَّدها ، وحمد يرتبطها ويقيّدها ، ورغبت إلى اللَّه سبحانه أن يجعل هذا العزّ الحادث لابثا لا يتحوّل ، والسعد الطارف ماكثا لا يتنقّل ، إن شاء اللَّه تعالى . ومن ذلك : وينهي أنّ من عادة الزمان أن يكف سحابه ثم يكفّ ، ويرفّ نباته ثم يجفّ ، ويدرّ حلبه ثم ينقطع ، ويقبل خيره ثم يرتجع ، إلَّا أنّه إذا سلب النعمة ممن يستوجب إمرارها عليه ، وانتزع الموهبة ممن يستحقّ استمرارها لديه ، كان كالغالط الذي يراجع نفسه فيندم على ما فرط ، ولا يلبث أن يستدرك الغلط ، معقبا نبوته بإنابته ، متعقّبا هفوته باستقالته ، ماحيا إساءته برأب ما ثلم ، وأسو ما كلم ، وإصلاح ما أفسد ، وتأليف ما شرّد . فلا جرم ( 2 ) أنّ النفوس بإقباله على من هذه صفته واثقة ، والآمال لانصرافه إلى من هذه صورته متحقّقة ، وإذا سلبها هرول في إيداعها لديه ، وأخذ [ في ] إفاضتها عليه . وما زال المملوك - مذ عامل الزمان مولانا بسوء أدبه ، ونأى عنه بجانبه ، وقبض بنانه ، وغيّر عليه سلطانه - عارفا أنّ هذه الفعلة فلتة من فلتأته الَّتي يتوقّى شرّها ، ولا يرجع إلى مثلها ، وأنّ الاستبصار ، يقوده إلى الاعتذار ، والاضطرار ، يحدوه على ردّ ما انتزعه بالإجبار ؛ لأنه لا يجد من يحلّ محلّ مولانا في ارتباطه بإيناسه ، وتعهّده بسقي أغراسه ، وقيامه بشكره ، وتزكيته ببرّه - متوقّعا لأن تتيقّظ عينه ، وينكشف رينه ( 3 ) ،

--> ( 1 ) لعل الواو زائدة ، ويكون متعلق اللام في قوله : « ولتوقّع » الخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) لا جرم : لا بدّ ولا محالة . لسان العرب ، مادة ( جرم ) . ( 3 ) الرين : الطبع والدنس . القاموس المحيط ومختار الصحاح ، مادة ( رين )